الدنيا وأبو حنيفة في العقد الثاني من عمره، والإمام مالك لم يكن أكمل السنوات الثلاث من عمره، أم إن المسألة تتعلق بغياب المراجع الإباضيّة الرئيسة بعد أن دخلت مرحلة كتمان جديد، إثر سقوط الدولة الرستمية؟ إنه احتمال يحتاج إلى أدلَّة، خاصة وأن مؤلفات إباضيّة مهمة اكتملت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري، ووجدت طريقها إلى الحياة الفقهية.
ويكفي الإشارة إلى بشر بن غانم الخراساني وكتابه"المدونة"، وابن غانم درس في البصرة، وفيها ألّف مدونته قبل أن يرحل إلى تاهرت في الشمال الإفريقي، ويجعل مدونته بطاقة تعريف له عند الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم.
ولو شئنا العدل والإنصاف فإن الإمام الطحاوي كان أسير ثقافة لم تنفتح على فقه المذاهب غير السنية، من إباضيّة وشيعية، ولعلنا نجد تبريرًا لذلك فيما ذكره أكاديمي إباضيّ قائلا: «إن النظام الفقهي الإباضيّ كان قائما على مواد ترويها المصادر الإباضيّة فقط، وتطور خلال تاريخه في إطار هذه المواد، ولا يمكن فهم طبيعة التشريع الإباضيّ، إلا بدراسة مواده ومراجعه الأصلية» (1) [3] .
وهو الأمر الذي لم يكن متاحا أمام الإمام الطحاوي، ولا شك أن الخلاف في هذه المصادر المرجعية من أسباب الخلاف بين الأنظمة الفقهية المختلفة.
على خلاف ما قدمه الإمام الطحاوي جاء كتاب"بيان الشرع"للعالم محمَّد بن إبراهيم الكندي جامعا للأصل والفرع، كما هو الشطر الثاني من عنوانه، ولهذا كانت الأجزاء الأولى من"بيان الشرع"عرضا لمسائل أصولية وكلامية، وكأنه يقول: إن الفروع لا تُفهم فهما صحيحا بعيدا عن أصولها المعتمدة، إضافة إلى ذلك فإنه يعتمد في منهجه الخلافي على بيان الأدلَّة، واستخدام القواعد الأصولية والفقهية في تحليل الخلاف الفقهي.
ويمثل كتاب"بيان الشرع"الموسوعة الإباضيّة الكبرى في علم الخلاف المذهبي، ولكنه مسبوق بآخرين من علماء الإباضيّة الذين كتبوا في علم الخلاف وأصّلوا