والذى يمكن استخلاصه من هذه التعريفات ان جوهر حقيقة الوقف، وهو تحبيس العين على وجه من وجوه الخير، ومنع التصرف فيها من قبل المالك، ومن قبل الموقوف عليه معا. وإنما تستفيد الجهة أو الجهات الموقوف عليها من منافعها. وقد اختلفت تعريفات الفقهاء تبعًا لاختلافهم في بعض الأحكام والتفريعات الجزئية.
ويقسم الفقهاء الوقف من حيث الغرض إلى قسمين [2] :
الأول: وقف خيري، وهو الذي يقصد به الواقف التصدق على وجوه البر، سواء أكان على أشخاص معينين كالفقراء والمساكين والعجزة، أم كان على جهة من جهات البر العامة، كالمساجد والمستشفيات والمدارس وغيرها،
والثاني: وقف أهلى أوذري، وهو ما جعل استحقاق الريع فيه أولًا إلى الواقف مثلًا ثم أولاده··· إلخ، ثم لجهة بر لا تنقطع، حسب إرادة الواقف.
أما من حيث المحل: [3]
ا-وقف العقار: وقد اتفق الفقهاء على جواز وقف العقار
ب- وقف المنقول: اتفق أغلب العلماء على جواز وقف المنقول، باستثناء بعض متقدمى الأحناف الذين اشترطوا أن يكون متصلا بالعقار اتصال قرار وثبات، كالبناء والشجر، أو أن يكون مخصصا لخدمة العقار كالمحاريث والبقر.
وتستند مشروعية الوقف إلى الكتاب العزيز، فكثير من الآيات تحض على بذل المال في وحوه البر والخير، ومنها:-
1 - (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) . (آل عمران: 92)
والبر هو جماع الخير, وقيمة إيتاء المال على حبه لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل هي الانعتاق من قيود الحرص والشح والأثرة، انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق فهي قيمة ثمينة يشير إليها ذلك النص على حب المال وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يجب من مال فهي قيمة إنسانية كبرى في نظر الإسلام الذي يسعى لتحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها ويعمل على تقوية صلتها بذوي القربى لما فيها من تحقيق مروءة النفس وكرامة الأسرة وتقوية وشائج القربى والأسرة هي النواة الأولى للجماعة هي لليتامى تكافل بين الكبار والصغار وبين الأقوياء والضعفاء وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين وحماية للأمة من تشرد صغارها وتعرضهم للفساد، وهي للمساكين الذين لايجدون ما ينفقون, وهم مع ذلك ساكنون لا يسألون ضنًا بماء وجوههم, احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم وصيانة لهم من البوار وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة التي لا يهمل فيها فرد ولا يضيع فيها عضو.
2 -وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 245] .
فالمال لا يذهب بالإنفاق إنما هو قرض حسن لله مضمون عنده يضاعفه أضعافًا كثيرة يضاعفه في الدنيا مالًا وبركة وسعادة وراحة ويضاعفه في الآخرة نعيمًا ومتعًا ورضى وقربى من الله.
3 -وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 261 - 262] .
نتبين في هاتين الآيتين بناء قواعد الاقتصاد الاجتماعي الذي يقوم عليها المجتمع المسلم ويتحقق بها تنظيم حياة المجتمع في التكافل والتعاون المتمثل في الصدقات والتي من أبرز أنواعها الوقف على وجه البر والخير.
ويتجلى أثر هذا البذل وهذا الإنفاق في الآداب النفسية والاجتماعية التي تجعل الصدقة عملًا تهذيبيًا لنفس معطيها وعملًا نافعًا مربحًا لآخذيها وتحول المجتمع إلى أسرة واحدة يسودها التعاون والتكافل والمودة والرحمة وترفع البشرية إلى مستوى كريم يصدق فيه حديث المصطفى الكريم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه