ثالثا: دور نظام الوقف الإسلامي في اعمال حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية
الحقيقة التى ينبغى أن يعرفها كل إنسان، هى أن الإسلام أعلن حقوق الإنسان كاملة مكتملة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أعلنها الإسلام في وقت كان مجرد تشوف الإنسان إلى أن يعرف بعض حقه، وأن يعتز بكيانه، وأن يصبح حرا في مجتمعه، ولم تكن حرية العقيدة وحدها هى التى عنى الإسلام بتحقيقها، فهناك الحريات الأخرى التى أعلنها، وعلى سبيل المثال أعلن حرية العبادة، والحرية الشخصية، وحرية القول والنقد والمراقبة مما نسمية الحرية السياسية، والحرية المدنية للمتمتع بأهلية التصرف.
ولا يتسع المقام للحديث هنا عن حقوق الإنسان التى أعلنها الإسلام ولذا فإن البحث يركز على أهم حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية وموقف الاسلام منها بصفة عامة ودور نظام الوقف الإسلامي في اعمالها بصفة خاصة.
وتُرْجع مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية إلى ما ورد بشأنها من آيات قرآنية وأحاديث نبوية فضلًا عما ورد في سيرة الخلفاء الراشدين وفقه الأئمة المعتمدين، ويذكر منها:- [7]
أ) الطبيعة ـ بثرواتها جميعًا ـ ملك الله تعالى (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن) ، وهي عطاء منه للبشر، منحهم حق الانتفاع بها: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه) . وحرَّم عليهم إفسادها وتدميرها: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، ولا يجوز لأحد أن يحرم آخر أو يعتدي على حقه في الانتفاع بما في الطبيعة من مصادر الرزق (وما كان عطاء ربك محظورًا) .
ب) لكل إنسان أن يعمل وينتج، تحصيلًا للرزق من وجوهه المشروعة: (وما من دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها) ، (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) .
ج) الملكية الخاصة مشروعة ـ على انفراد ومشاركة ـ ولكل إنسان أن يقتني ما اكتسبه بجهده وعمله: (وأنه هو أغنى وأقنى) ، والملكية العامة مشروعة، وتوظف لمصلحة الأمة بأسرها: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)
د) لفقراء الأمة حق مقرر في مال الأغنياء، نظمته الزكاة: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) ، وهو حق لا يحوز تعطيله، ولا منعه، ولا الترخيص فيه، من قبل الحاكم ولو أدى به الموقف إلى قتال مانعي الزكاة:"والله لو منعوني عقالًا، كانوا يؤدّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه".
ه(توظيف مصادر الثروة ووسائل الإنتاج لمصلحة الأمة واجب، فلا يجوز إهمالها ولا تعطيلها:"ما من عبد استرعاه الله رعيّة فلم يُحِطْها بالنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنّة"، كذلك لا يجوز استثمارها فيما حرمته الشريعة، ولا فيما يضر بمصلحة الجماعة.
و) ترشيدًا للنشاط الاقتصادي، وضمانًا لسلامته، حرَّم الإسلام:
الغش بكل صورة:"ليس مِنَّا مَنْ غَشّ".
الغرر والجهالة، وكل ما يفضني إلى منازعات لا يمكن إخضاعها لمعايير موضوعية:"نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر"،"نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب حتى يَسْوَدَّ وعن بيع الحَبِّ حتى يشتدّ".
الاستغلال والتغابن في عمليّات التبادل: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)
الاحتكار، وكل ما يؤدي إلى منافسة غير متكافئة:"لا يحتكر إلا خاطئ".
الربا، وكل كسب طفيلي يستغل ضوائق الناس: (وأحل الله البيع وحرم الربا) .