الصفحة 8 من 10

وواضح أن الحديث يدعو إلى العمل الدائب المستمر والذى لا يتوقف حتى في حالة انتهاء عمر الأرض وقيام الساعة. وحتى لا يكون في الإسلام مكان لمتخلف أو مهمل أو كسلان. فهذا كله يتعارض مع الإسلام.

كما نجد في العديد من النصوص التى وردت في مصادر الشريعة ما يفيد أن العمل حق لكل شخص، ويضمن الإسلام لكل أفراد المجتمع: العدالة في ممارسة العمل الشريف، والأجر المناسب، لأن ذلك كله من أداء الأمانات، والوفاء بالحقوق، والقيام بالعدل والإحسان كما في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (النساء: 58) ، وقوله عز وجل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) (النحل الآية 90) ، ثم إن العمل في الإسلام ضرورى لسد حاجة المجتمع، وعمران الكون، وفى حماية الشريعة الإسلامية للعاملين وضمان الأجر العادل لهم، ورد قوله الله صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) . رواه ابن ماجه.

والدارس للأثر الاجتماعي للوقف لابد أن تستوقفه نوعية الطبقة الاجتماعية التي استفادت بشكل كبير من الوقف وكيف استطاع تغييرها وتحقيق ما يسمى بظاهرة (الحراك الاجتماعي) في بنية المجتمع. والحراك الاجتماعي يقصد به: انتقال الأفراد من مركز إلى آخر في نفسي الطبقة .. وقد يكون رأسيًا وهو انتقال الأفراد من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أعلى ولقد مكن التعليم الوقفي و الرعاية الاجتماعية والوقفية من تغير طبقات المستفيدين منه أفقيًا رأسيا وفق مفهوم الحراك الاجتماعي، فساعد نظام الوقف على تحسين المستويات الاقتصادية، والعلمية والثقافية لكثير من أفراد المجتمع، فالتعليم الجيد الذي قد يحمله شخص موهوب قد ينقله ليس! لأن يتسلم مرتبة الإفتاء والقضاء فحسب، بل يتمرس في العمل الإداري وتيسير أمور الدولة أو في أي مهنة متخصصة كالطب أو الإدارة أو غيرها والتي قد لا تتاح له لولا أن أموالا موقوفة قد سهلت له سبيل التعليم.

تمس مشكلة الإسكان كل أسرة؛ فالمسكن أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، شأنه في ذلك شأن الغذاء والكساء، وهو أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وليس أدل على أهمية المسكن من ارتباطه بالسكينة والأمان والخصوصية، ومن ثم فهو قضية تؤثر على أمن واستقرار ورفاهية وصحة وسلامة الفرد والأسرة والمجتمع. وتعد مشكلة الإسكان من أهم القضايا التي تواجه الدول النامية، نظرًا لما لها من آثار اجتماعية واقتصادية على الدولة وعلى فئات كثيرة من المواطنين خاصة الشباب ومحدودي الدخل. كما تزداد أهميتها في ضوء ما لها من آثار سياسية مهمة، فهي تؤثر على علاقة المواطن بالدولة، فتوفير المسكن الآمن والملائم للمواطن يمثل له الاستقرار والانتماء للدولة ويعزز ثقته فيها.

و مشكلة الإسكان متراكمة ومتعددة الأبعاد، فلا تقتصر على عدم وفرة المعروض من الوحدات السكنية لمقابلة نوعية الطلب عليها، بل تشمل أبعادًا أخرى كالإسكان العشوائي، والوحدات المغلقة واختلال العلاقة بين المالك والمستأجر، وإهمال صيانة الثروة العقارية، وسوء توزيع السكان وارتفاع الكثافة السكانية، وعدم كفاية بعض المرافق في بعض المناطق والامتداد العمراني على الأراضي الزراعية، وغيرها.

ولقد أدت الأوقاف دورا مهمًا في تحقيق هذا الحق بشكل عام، فما من مدرسة ينشئها الواقفون إلا ويوضع بجوارها بيت خاص للطلاب المغتربين ويجري عليهم فيها ما يحتاجونه من غذاء. لذا لا عجب أن نجد تلك الحركة البشرية المتواصلة بين المدن والقرى في العالم الإسلامي، طلبًا للعلم في المدارس الوقفية، فلا يوجد ما يعوق طلب العلم فالطرق قد أمنت بالأسكنة الوقفية، والمدارس قد تم تجهيزها بالغرف الخاصة بالغرباء، وقد تزايدت تلك الظاهرة بشكل ملفت للنظر، وقد أبدى ابن جبير إعجابه الشديد لما لمسه في بلاد المشرق الإسلامي من عناية بالغرباء، فقال: (إن الوافد من الأقطار النائية يجد مسكنًا يأوي إليه ومدرسًا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه، واتسع عناية السلطان بالغرباء حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها ونصب لهم مارستانًا لعلاج من مرض منهم، ولقد عين لهم السطان خبزتين لكل إنسان في كل يوم وزكاة العيد لهم) وحسبك من هذا أن صلاح الدين قد خصص للغرباء من المغاربة جامع ابن طولون في مصر يسكنونه وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ناهيك عن الحانات والتكايا والزاويا وهى أماكن للمتفرغين للعبادة من الجنسين، فكان ينقطع فيها من يرغب التفرغ للعبادة، ويجري عليها الواقفون الجرايات اليومية من غذاء وكساء، وهذا النوع من الأوقاف ينتشر بشكل كبير جدا في مدن وقرى العالم الإسلامي فمن يطلع على رحلة ابن بطوطة فسيجد العجب فما مر على قرية أو مدينة في البلدان الإسلامية التي زارها في رحلته إلا ويذكر مثل هذه الأماكن بل كان من المستفيدين منها وسكن في بعضها، ومع تطور الوقت تحولت بعض هذه الأماكن إلى ملاجئ مستديمة للذين يستحقون الرعاية، وخاصة أصحاب العاهات وكبار السن والعميان والمطلقات وهذا التحول أدى بها إلى تحقيق رسالة اجتماعية، ذلك أنها غدت مأوى للغرباء والعجزة وضعفاء المجتمع، وجميع هذه المنشآت وجدت في نظام الوقف أكبر رافدًا مكنها من مواصلة رسالتها. ولازالت بعض هذه الأربطة تؤدي هذه الرسالة في العالم الإسلامي ويمكن رؤية العديد منها في كل من مدينة مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث أصبحت مأوى للعديد من العجزة، والمرضى، والمعاقين، وكبار السن وأحيانًا العاطلين، وهذا ما أظهرته الدراسة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت