فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 861

ولكن على الجملة يوجد بينهما فرقٌ كما ذكرنا أن الكفر هو الجحد، وتُطلق على من جحد حقًا من حقوق الله كما ذكرنا في السابّ وكما نذكر في غيره، فمثلًا في الحديث: «من ترك الصلاة فقد كفر أو أشرك» . يعني يصح أن نطلق عليه لفظ الكفر في أنه لم يمتثل أمر الله الذي جعله ركنًا من أركان الإسلام فقد كفر. وكيف أشرك؟ أنه لا يمكن أن يترك الصلاة إلا وقد عبد غير الله. وهذا دليل على ما قلت بأن كلمة الكفر حين تستقلّ يدخل فيها معنى الشرك، وكلمة الشرك حين تستقلّ بالذكر وتُفرد فإنه يدخل فيها معنى الكفر.

هذا أمرٌ ليس فيه كبير مقال، وليس عليه كبير بناء، وإنما هو أمرٌ اصطلاحي يؤدّي إلى حقيقة واحدة أن من كفر فقد خرج من الإسلام ومن أشرك فلا يُسمى مسلمًا. لكن ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب هو الذي يحتاج إلى وقفات.

كلام الشيخ هنا كما أراه وكما هو بيّن -وإن لم أراجعه في مصدره، وإن كان ينبغي أن أراجعه في مصدره، ولكن لسرعة الحال- فإن الشيخ يتحدَّث عن التحسين والتقبيح العقلي، وهل العقوبة تكون قبل الرسالة أم بعد الرسالة؟ هذه هي المسألة، يعني هل الناس يُعاقبون قبل الرسالة لقيام الحجّة عليهم عقلًا؟ وذلك لأن الحسن والقبح في الأشياء هو ذاتي وعقلي .. هذا يقوله المعتزلة، يقولون بأن الحجّة الربّانية قائمة قبل الرسالة لقيام حجّة العقل عليهم، ولأن الأشياء كلها يثبت فيها الحسن والقبح العقليان.

الآخرون يقولون لا، يقولون بأن الحجّة الربّانية لا تقوم إلا بعد الرسالة، والحسن والقبح لا يكون إلا بالرسالة والعقل لا يدركه؛ ولذلك ينفون الحسن والقبح العقليين. فشيخ الإسلام يقول كلا الطرفين قد ابتعد عن الصواب.

في موضوع التحسين والتقبيح العقلي هو أساس المسألة، وقضية إقامة الحجّة"بم تقوم الحجّة؟".. كذلك مبنيّة على التحسين والتقبيح العقلي، وبالتالي يترتَّب عليها أسماء ويترتَّب عليها أحكام.

من المعروف شرعًا بأنه قد يجتمع الاسم مع الحكم وقد يفترق، ومثال ذلك في أن المرء قد يقترف معصية ولكن لا يترتّب الاسم عليها، ومن هنا جاءت قضية: لعن الفعل لا لعن الفاعل، ومن هنا جاء: لعن العموم وعدم لعن الخصوص، لأن الخاص قد لا يدخل في العام .. لوجود حالة خاصة به، ولتخلّف شرط قد يمنع دخوله في العام؛ هذه كلها مرتبطة -كما ترون- عند طالب العلم؛ يربطها ربطًا علميًا تامًا، لا يمكن أن يفهمها فهمًا جزئيًا بل لا بد من الفهم الكلي لتترتَّب كل مسألة على أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت