فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 861

أُبيّن: المعتزلة يرون أن الأشياء يثبت فيها الحسن والقبح العقلي، يعني أن الأشياء تملك في ذاتها حسنًا وقبحًا وبالتالي لفطرة الله -عز وجل- وما أعطاه الناس من الحكم على الأشياء عقلًا فإن الإنسان يستطيع أن يثبت أن هذا حسن وهذا قبيح، ومن ذلك الشرك والإيمان، وأن الإيمان حسن بوضع الله الخلقي له، وأن الشرك قبيح بوضع الله له خلقًا، فبالتالي العقل يدرك ذلك، وإذا أدرك العقل هذا فعندئذ يكون مُعاقب .. هكذا رتَّب المعتزلة.

فالمعتزلة يرون أن كل مشرك -سواء كان قبل الرسالة أو بعد الرسالة، سواء كان بلغه بلاغ النبي أو لم يبلغه بلاغ النبي- فهو مُعاقب يوم القيامة، يُطلق عليه اسم الكفر والشرك ويُلحق به الحكم والعقوبة. هذه هي قاعدة المعتزلة.

خالفهم على النقيض في الجهة المقابلة .. من قال بأن الأشياء لا تحمل حسنًا ولا قبحًا، وبالتالي لا يمكن للناس أن يدركوا قبح الكفر وقبح الشرك إلا بوجود الرسالة، ولا يمكن أن يدرك الناس بعقولهم حسن الإيمان إلا بوجود الرسالة، لأن الأشياء لا تحمل حسنًا ولا قبحًا، ورتَّبوا عليه مسائل مثل: جواز أن يأمر الله -عز وجل- بما هو عند الناس باسم الرسالة قبيح، فممكن أن يأمر الله بالكذب، فحينئذ يصبح الكذب حسنًا لأن الله أباحه، لأن الكذب لا يحمل حسنًا ذاتيًا عندما خلقه الله.

لا أريد أن نعود إلى أدلّة الفريقين، وكيف بنى كل فريق أدلّته سواء كانت العقلية أو الشرعية، فهذا مبحث كبير وطويل، ولكن أنا أفصّل لأصل إلى مراد الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- فيما يقول.

يقول:"وكلا الطرفين غلط"وهذا الصواب أن كلا الطرفين غلط. يقول: فالأشياء يثبت حسنها وقبحها بالعقل، ولكن ما رتّب المعتزلة على هذه القاعدة من قضية العقوبة بغير الرسالة خطأ، فحينئذ يصح قول الطرف المقابل بأنه لا تثبت العقوبة إلا بالرسالة.

انتبهوا، هؤلاء قالوا الحسن والقبح عقليان، والعقوبة تترتَّب عليه بمجرّد العقل، والرسالة ليست إلا مؤيّدة لهذا، وإنما المرء يدرك الحسن والقبح بعقله، وإن لم يتّبع الحسن الذي فرضه العقل، وإن لم يجتنب القبيح الذي فرضه العقل فهو معاقب، ولو لم تأت الرسالة بذلك.

الطرف الآخر قال لا، الأشياء لا تثبت حسنها وقبحها إلا بالشرع ولا تثبت العقوبة إلا بالشرع. انظر كيف جمع شيخ الإسلام .. قال:"وكلا الطرفين غلط بهذا الجمع بينهما فالحسن والقبح يدرك في ذات الشيء"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت