نأتي إلى المسائل الدنيوية .. يعني: هناك أمور يفعلها الكفار لا على جهة التدين وإنما على جهة العادة، ولكلِّ أمة ميزات في ألبستهم .. وفي أكلهم وشربهم .. وفي حياتهم .. وفي بيعهم وشراءهم .. وفي احتفالاتهم، فهذه شارات خاصة بالبلاد ولا تعلق لها بالدين.
ولا شك أن الإسلام مدح العرب وجعلهم خير أمة، وأنزل عليهم القرآن وجعل لغتهم هي اللغة التي حملت كلام الله عز وجل -القرآن نزل بلسان عربي مبين، وأنزله الله حكمًا عربيًا كما في سورة الرعد {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} - ولا شك أن الصحابة كانوا ينهون الناس عن تشبههم بالفرس والروم -حتى من جهة الألبسة، ومن جهة السلوك، ومن جهة الأمور العاديّات- ذلك لأن مزاج العرب هو خير الأمزجة، ومزاج من نزل عليهم القرآن هو خير الأمزجة، ولولا أن الله عز وجل رأى في هؤلاء القوم الوعاء الذي يصلح للدين ما نزل عليهم وترك غيرهم.
هناك -أيها الإخوة الأحبة- هناك دين وهناك وعاء للدين، الوعاء هو المزاج .. والوعاء هو العادات .. والوعاء هو القيم التي توجد في المجتمع؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .
العربي فيه الخصال التالية -وهي التي جعلت هذه الأمة سببا لنزول القرآن عليها، وسببًا لجعلها خير الأمم وجعل الأمم تابعة لها في سلوكها وأعمالها- أولًا: أن فيهم الشجاعة .. العرب فيهم الشجاعة وفيهم الكرم .. الشجاعة والكرم .. وفيهم وضوح البيان بمعنى الصدق .. العربي هذه خصاله، ومن قرأ الشعر الجاهلي وخصال العرب قديمًا وجد هذه الصفات خاصة بهم.
والعلماء اختلفوا في الأسباب التي أوجبت نزول الشريعة عليهم دون غيرهم، وأنا أعتقد بأن هذه الصفات هي التي اختص الله عز وجل بها العرب فجعلهم وعاءً للإسلام .. الإسلام -وهو الحق- لو نزل على جبان سيفسد، وإذا نزل على بخيل سيفسد، وإذا نزل على كاذب سيفسد، ولذلك الوعاء كان نقيًا بهذه الخصال .. فليس فيهم الخداع الذي في الروم، وليس فيهم الكبر الذي يؤدي إلى غمط الحق كما هو في غيرهم من الأمم الأخرى.
فإذًا -نعود-: فلمزاج العرب المعتدل -الذين هم أهل الحجاز وأهل اليمن- اختارهم الله عز وجل ليكونوا حملة الدين .. فمزاجهم خير الأمزجة في الألبسة وفي الأطعمة ..