فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 861

واختلف أهل العلم -كما هو معلوم في كتب أهل العلم- في قضية تعيين معنى الخبائث، وأنا لي ميل لكلام الشافعي: بأن كلمة"الخبائث"خوطب بها العرب، فهم يعرفون الخبائث من نفوسهم، فما كان خبيثًا عند العرب فهو خبيث في الشريعة إذا لم يرد به النص -إذا ورد به النص، انتهى- وهذا خلاف ما قرره بعض أهل العلم الآخرين كمالك وأحمد وأبي حنيفة، وقد شرح هذا ابن تيمية في كتابه"إيضاح الدلالة في عموم الرسالة"وأنا على خلاف معه في هذه المسألة، فهو نصر قول الآخرين على الإمام الشافعي .. أنا أميل إلى قول الشافعي في هذه المسألة: أن الله لما قال: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} فالخبائث التي خوطبوا بها يعرفونها .. هم يعرفون أن الفأر من الخبائث .. يعرفون أن الذباب من الخبائث .. يعرفون أن الصراصير من الخبائث .. يعرفون أن العَذرة من الخبائث وهكذا، فهم يستنزهون عنها .. فخوطبوا بها .. هناك أمور يفعلونها -ولا شك- الله جعلها من الخبائث فأمرهم بتركها ونهاهم عنها، كشرب الدم المسفوح مثلًا .. كانت العرب تفعله، فنهاهم الله عنه .. فالعبرة بالنص، ولكن حين خلو النص يكون المزاج العربي هو المزاج الصحيح.

الآن دخل الإسلام الأمم .. دخل في الفرس .. دخل في الروم .. دخل في البربر .. دخل في السودان -هذه هي الأقاليم التي يتحدث عنها علماءنا الأقدمون من الجغرافيين- فهل نطالبهم بأن يُغيروا أمزجتهم في مثل هذه الأمور العادية والسلوكية التي لا علاقة لها بالدين، أن نغير سلوكهم إلى سلوك أهل الإسلام؟؟ الجواب: لا، لا نطالبهم بهذا، إلا ما خالف الشرع .. كأن تلبس نساءهم لباسًا غير شرعي فتُؤمر المرأة _ كما كانت العربية لا تستر جيبها -أي: لا تستر نحرها- فأمرها الله عز وجل أن تسدل الخمر على الجيوب .. بعد أن تغطي رأسها تغطي جيبها ولا تكشفه، فكذلك يوجد مثلًا في بعض البلاد هذا الأمر في ألبسة النساء_ فتؤمر النساء بأن تلبس اللباس الشرعي؛ ولكن هل تطالب هذه الأمم أن تلبس المزاج العربي؟؟ الجواب: لا .. العرب تلبس السروال والأغلب أنها تلبس الإزار، فلو وجدت أمة لا تلبس هذا الإزار أو لا تلبس السروال -ولها ألبسة خاصة- فلا تطالب بذلك، ما دام أن فيه القواعد الشرعية وتنطبق عليه الأحكام الشرعية .. إذًا: الأمم في هذا الباب: ما ليس دينًا تُقر عليه، إلا ما خالف الشرع فيبين وتنهى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت