تركيعهم للأمريكان وسياسة الغرب عامة. أدركوا هذا أم لم يدركوه. وأنا لست هنا مزكيًا الانحراف الشرعي الذي يقوم به بعض من يحملون عقائد الخوارج فعلًا وبعض المتسيبين الحركيين... إنما أنا هنا مدافع عن الحق وأهله، ليس غير.
وكم قالوا لنا، غير صادقين: - لحوم العلماء مسمومة [1] * - وما ذلك إلا ليرهبونا فلا نعترض لعلماء السوء بتذكير فضلًا عن نكير، وبالتالي لتعربد فتاوى التثبيط والتعويق والتركيع لغير الله تعالى في جلودنا وديارنا ... ونحن لا نشك أن لحم آخر وأضعف مسلم حرام أكله واغتيابه، فضلًا عن لحم عالم عامل، لكن جل الذين يرددون تلك المقالة لا يفترون عن الولوغ في لحوم ودماء الأوفياء من العلماء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. ولا نزكي أحدًا على الله. لقد أكلوا لحومهم وشحومهم وجلودهم وعظامهم وشنقوهم بفتاواهم الجائرة قبل أن يشنقهم الطغاة. بل إن الطغاة والظالمين ما كان لهم أن يمارسوا على الدعاة إلى الله تعالى، لا شنقًا ولا حبسًا ... إلا قليلًا، لولا فتاوى الخائنين والخائبين. لكن قدر الله وما شاء فعل.
الآن آن الأوان أن نشرع في بيان أن تنصيب المفتي من طرف الدوائر الحكومية، ولا سيما التي لا تحكم بشريعة الله، مثل السعودية ومصر والأردن وغيرها حيث المفتي العام له آخر الكلام لكن بعد توجيه (الإمام) .
آن الأوان أن نبين أن منصب الإفتاء على النحو المعلوم منصب بدعي وغير شرعي ... وأن ما يصدره أولئك المفتون المفتونون وأولئك الشاميون المرجئة من توجيهات ولا سيما فيما هو متعلق بمستقبل أحوال المسلمين الآنية والآتية. وبمستقبل الدولة الإسلامية المنشودة. وما يرتبط بها من سياسات شرعية، جله باطل وعاطل. وعلى المخلصين أن يجدوا لهم البدائل. وهي موجودة والحمد لله؛ ليس بينهم وبينها حائل.
حول تعيين المفتي
من آفات الفكر لدى مرجئة العصر أنهم يعمدون إلى أوضاع دينية وأنماط سلوكية في محيط الدولة الإسلامة منذ عهد النبوة فما بعده، فينزلون تلك الأوضاع والأنماط على واقعهم المعاصر الذي تتحكم فيه هيئة الأمم الكافرة ومجلس الحرب والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي..، ويتحاكم في كل نزاعاته الإقليمية والعشرية إلى محاكم الكفار، وإلى ما هو أضل من ياسق التتار. وليس الحق في أن نقيس نازلة على أخرى مغايرة لها - إذ لا قياس مع الفارق - وإنما الحق في إنزال الحكم المناسب على النازلة المناسبة، ولكل حادث حديث.
أدلة أنصار علماء السلطان
ولقد أسال أعوان الهيئة العلمية الرسمية وأذنابهم المنتشرون في كل مكان كثيرًا من مدادهم وأضاعوا كثيرًا من وقتهم ليبينوا أن تعيين المفتي وتخصيص أحد العلماء بالفتوى دون غيره كان من نهج السلف الصالح، ولم يكن بدعة منكرة كما نقول نحن. واستشهدوا على مزاعمهم بما روي عن ابن سيرين رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لابن مسعود رضي الله عنه: [نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير، فولّ حارَّها من تولى قارّها] وبقول الإمام الذهبي معلقا على قول سيدنا عمر رضي الله عنه: [يدل على أن مذهب عمر أن يمنع الإمام من أفتى بلا إذن] [2] * وللذهبي أيضًا رحمه الله، في ترجمته لعطاء بن أبي رباح ما مفاده أن بني أمية كانوا يأمرون في الحج مناديًا يصيح: [لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن عطاء، فعبد الله بن أبي نجيح..] وهو ما استخلصوا منه: أن تخصيص أو تعيين المفتي كان عند السلف. ثم يتناولون ما ذكره الخطيب في ترجمة الإمام مالك رحمه الله عن حماد بن زيد رحمه الله أنه قال: [سمعت مناديًا في المدينة ألا يفتي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى مالك]
ردنا على هذا:
قلت: هذا كل ما في جعبة أدعياء السلفية أو قل يهود القبلة [3] *، - وهو الوصف الذي أطلقه التابعي الجليل سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه على المرجئة - أن يجمعوا من الأقوال لرد حقيقة بدعة تعيين إمام مفت في ديار المسلمين، دون غيره من العلماء الأكفاء والمؤهلين. وهذا ردّنا بشيء من التفصيل:
أولًا: كأني بأدعياء السلفية رجعوا بخفي حنين بعدما أعياهم البحث من أجل إثراء الاحتجاج بشهادات أهل العلم لصالح ما يريدون. وكل ما حصلوا عليه هو ما جمعه بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه [التعالم وأثره على الفكر والكتاب] بل إن بكر أبا زيد نفسه اعترف أن ذلك التعيين للمفتي ووقف الفتيا عليه كان في بعض الحالات المعينة فقط، ولم يكن سنة شرعية مطردة مضى عليها سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم. وهذا واضح من العنوان الذي وضعه بكر أبو زيد لبحثه حيث قال: [تنبيه مهم: 1 - في بعض وقائع تاريخية تفيد وقف الفتيا على من أذن له دون غيره، وقصرها على أقوام دون آخرين.] [4] *
(1) * هناك كتاب بعنوان: [لحوم العلماء مسمومة] للدكتور ناصر العمر.
(2) * السير: 2 / 495.
(3) * سبق تخريجه.
(4) * التعالم لبكر أبي زيد، ص: 40.