الصفحة 13 من 105

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: [هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه. فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف والحظ الدنيوي السخيف؛ فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئًا. فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) ] [1] *

إنه ليس خافيًا على مسلم ما للإفتاء من مساحة في ساحة الحياة الإسلامية، ساحة البيان وعدم الكتمان، فلما كان المسلم خائضًا لا محالة غمار هذه الحياة على اختلاف شعبها وتشعباتها، متعاملًا لا محالة مع نفسه ومع غيره، لا ينفك من الوصال والاتصال، بدءًا بذويه الأقرب فالقريب، ثم البعيد فالأبعد ... كان لا بد أن تكون له صلة بدينه إما استقلالًا بنفسه في فهم نصوص الكتاب والسنة، وهذا حد العالم المجتهد، الذي هو المفتي. وإما تبعًا لغيره عن طريق أهل العلم والاجتهاد، من غير تقليد، والذي هو المستفتي. ولا مناص من أحد الأمرين - مفتي أو مستفتي - مع حاجة تحول المفتي نفسه إلى مستفتي لمن هو أعلم منه في ما لم يعلم.

إن المسلم ليس كغيره من الناس، يخبط خبط عشواء في هذه الحياة. ويركب رأسه وهواه أو يقلد غيره من البغاة، ولا حتى من التقاة - فالتقليد مذموم إلا للضرورة مثل أكل الميتة - بل هو مطالب بألا يقدم على اعتقاد أو قول أو عمل أو ترك حتى يعلم حكم الله فيه. إن المسلم عابد لله تعالى. والعبادة عمل قائم على علم. وهذا العلم هو مادة الإفتاء وبضاعة المفتي وحاجة المستفتي. والعلم علمان، علم بالشرع وعلم بالنازلة محل الفتوى. ولا يغني هذا عن ذاك. وهذا العلم هو الدين. فالدين هو الطريقة المثلى التي لا ينبغي لمسلم أن يسلك غيرها في دروب الحياة المتشعبة: علمية وعملية، سياسية كانت أم اقتصادية أم خلقية أم إعلامية أم اجتماعية أم حربية أم سلمية أو ما إلى ذلك ... فيعلم المكلف متى يقدم على الشيء ومتى يحجم عنه. ماذا يقدم وماذا يؤخر. ولما كان ذلك كذلك وجب النظر في صفات المفتي والبحث في توفر شروط الفتوى فيه، ومن ثم البحث عن المفتي الأمين على دين الله تعالى، القادر على توصيل الحكم الشرعي - كما هو - لمن يستفتيه؛ كان المستفتي فردًا أم هيئة أم مؤسسة أم شركة أم جماعة ... أم غير ذلك. ومن هنا كان قول محمد بن سيرين رضي الله عنه في مقدمة صحيح مسلم: [إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم] [2] *

ومن الإشكاليات المعاصرة - وهي أيضًا قديمة - تلقّي الفتوى في مسائل بالغة الخطورة من مفتين مرتزقة نبتوا على أعتاب قصور السلاطين، أو تربوا في أحضانهم أو استدرجوا إليهم استدراجًا فصاروا أدوات في أيادي الطواغيت الذين يمررون على ألسنتهم ما يشاء أعداء الله تعالى من أذى للإسلام والمسلمين - وحتى نكون واضحين - والوضوح من الدين. ماذا فعلت فتاوى أولئك الشاميين في المسلمين من إذاية وظلم وتجن. حيث ألبست تلك الفتاوى خيرة شباب الإسلام وبقايا الحق في هذا الزمان، ألبستهم لباس الخارجية والابتداع والخروج على أولياء الأمور - وهو ما ينافي"السلفية"ومنهج الأئمة وحفاظ الأمة -زعموا - ثم رموهم بضحل العلم والجهل وتشويه الإسلام أمام الخاص والعام والداني والقاصي ...

والحق الحق أقول، إذا كان هناك من تشويه - وهو كائن - فإنه من بنات تلك الفتاوى الجائرة التي تدعو إلى التسامح مع أعداء الله تعالى. أو على الأقل تجاهلهم وتناسيهم والاهتمام بغيرهم بطلب العلم والتصفية والتربية، كذا يقولون. وفي المقابل، التشديد على أوليائه بالطعن والتبديع، بل أحيانًا بالتحريش بهم، عن قصد أو غير قصد، دون أن تكون تلك التصفية والتربية شفيعة في الطعن الأرعن. وهذا ما تولى كبره بيقين الشيخ المحدث ومن والاه، وهيئة كبار العلماء برئاسة المفتي الرسمي في ديار الحرمين والأزهر... فكانت ثنائية القطبين الخطيرين في هذا المجال: قطب الإرجاء وتفريخ يهود القبلة - والمرجئة يهود القبلة - كما قال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه [3] * وقطب الخيانة لله ولرسوله وتركيع الناس للطواغيت باسم الدين عن طريق الإفتاء وإعطاء القدوة السيئة،

(1) *تفسير القرآن العظيم. للإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.

(2) * صحيح مسلم بشرح النووي، المجلد الأول، المقدمة / باب: 5. ص: 84.

(3) * الإبانة الكبرى لابن بطة، لوحة 168 / 169. وانظر كتاب [ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي] للكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الباب الثالث: الإرجاء الظاهرة، ص: 378 / 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت