الصفحة 15 من 105

فانظر رحمك الله إلى قول (بكر) : [في بعض وقائع تاريخية] ولم يقل كل الوقائع التاريخية، ولا أي عبارة تفيد ما يشبه التعميم، فضلًا عن التعميم ذاته؛ ثم انظر كيف يستغل بعض الأحداث المتنطعين نتفًا من العلم والأقوال من هنا وهناك لتشكيل ما يخدمون به توجيهاتهم الكهنوتية والعلمانية باسم السلفية.

ثانيًا: كل ما يعتمده أدعياء السلفية في هذا الباب لا يثبت أنه في عهد السلف الصالح كان الخليفة يعين إمامًا واحدًا مفتيًا للمسلمين حيث ما كانوا من أرض الدولة الإسلامية، بل وحيث ما كانوا من دار الكفر. وكل ما ذكروه - بصرف النظر عن صحة السند أو عدمه- هو إثبات تعيين من يفتي الناس في مسجد كما هو الحال بالنسبة للإمام مالك رحمه الله، أو في موسم كموسم الحج، كما هو الحال في زمان بني أمية، أو في واقعة تاريخية معينة كما ذكر الشيخ بكر أبو زيد في كتابه"التعالم". فالثابت أنه كان هناك مفت في مسجد أو في موسم أو في واقعة تاريخية. على أن المنع والحجر كان في حق الجاهلين الذين ليسوا أهلًا للفتوى، لا في حق العلماء الأكفاء، كما عمت بذلك الآن البلوى.

فهل أثبتوا أن خليفة ما، أو إمامًا ما، عين من يفتي للمسلمين في كل أمور دينهم ودنياهم حيث ما كان هؤلاء المسلمون من أرض الله؟ نحن لا زلنا نقول: لم يحدث. وحيث إنه لم يحدث، فالقول به قول مبتدع، لا تغني فيه بحوثهم الهشة والمتداعية شيئًا.

ثالثًا: ما نحن بصدده هو إبطال منصب المفتي العام، أو رئيس هيئة الإفتاء وما شابه ذلك، للمسلمين في دولة الإسلام. لا ما كان من مهام الخليفة أو الإمام في تعيين القضاة وأئمة المساجد والخطباء والوعاظ، والمدرسين، ومنهم طبعًا المفتون، هنا وهناك، في هذا المسجد وذاك، في هذا المسير وذاك، سواء كان في حج أم جهاد أم رباط أم غيره.. مع العلم أن المسلمين لهم أن يختاروا بالتراضي من يشاءون من أهل العلم ليس فقط في الإفتاء المجرد بل وفي فصل نزاعاتهم وما تشاجروا فيه أيضًا، متى شاءوا، حتى ولو لم يكن من اختاروه للفصل فيما بينهم معينًا من طرف الحاكم الشرعي. جاء في المُغني لابن قدامة رحمه الله تعالى:

[ (فصل) وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكّماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما، جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة. وللشافعي قولان (أحدما) لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما، لأن حكمه إنما بالرضى به ولا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه.] [1] *

فكيف إذا افتقد المسلمون خليفة المسلمين لكل المسلمين كما هو الحال في هذا الزمان؟

رابعًا: كل الجدال الوارد في الموضوع من طرف أدعياء السلفية لم يكن تقصيًا للحق في المسألة ولا مجرد بحث علمي عابر، ولكنه يهدف إلى إثبات مشروعية تنصيب الشيخ عبد العزيز بن باز ومن قبله ومن بعده من طرف ملوك"السعودية"، وأنهم مفتون شرعيون للمسلمين وأن الطعن في منصبهم، والقول ببدعة هذا التنصيب، طعن وتبديع ليس فيه للحق نصيب. وأن الإفتاء من غير الإمام أو من غير إذنه إفتاء باطل كما هو المستفاد مما ذُكر عن عمر بن الخطاب حين أنكر على ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما الفتوى وهو ليس بأمير، أي أن الإفتاء لا يصح إلا من طرف الإمام أو من طرف من عينه الإمام. والغرض الظاهر من هذا الإثبات، والله تعالى أعلى وأعلم، هو رد الاعتراضات القوية على ابن باز - وقد أفضى إلى ما قدم - في تجويزه الاستعانة بالكفار على المسلمين بعد أن سبق له منع الاستعانة بالكفار على الكفار. ورد قوله بجواز الصلح مع اليهود على ما هم عليه من اغتصاب للأرض وتشريد لأهلها، والطعن فيه على إلحاق الأذى بشيوخ كرام مثل الشيخين الحبيبين سلمان العودة وسفر الحوالي، وقوله [لا بأس..] في حق من علق الصليب؛ وغير ذلك مما لا يمت إلى العلم والوفاء فيه بأدنى صلة.

خطورة رفض الإفتاء من غير المفتي الرسمي.

قلت: وهذا الذي يريدون إثباته لو صح لكان الأمر أخطر مما يتصور أدعياء السلفية. لو صح لكانت كل فتاوى ابن باز باطلة، ولا يجوز الاستماع إليها ولا العمل بها، لأنه لم يعين من طرف الخليفة، أو إمام المسلمين. وملك السعودية ليس أميرًا للمؤمنين، وليس إمامًا لدولة الإسلام. ولم يبايعه من أهل الإسلام -على فرض أن هناك بيعة شرعية- أكثر من صفر فاصلة كذا في المائة، وهو ما يمثل نسبة سكان ما يسمى بالسعودية بالنسبة لساكنة العالم من المسلمين.

وإذا اعتبرنا أن البيعة يجب حصرها في أهل الحل والعقد من العلماء فأهل الحل والعقد من شرق الأرض إلى غربها لم يبايعوا أحدًا من ملوك السعودية، وبالتالي سقط منصب ابن باز ومن يخلفه في الإفتاء لهذا الاعتبار.

ولو صح أيضًا لكان المسلمون في غير ما يسمى بالسعودية مجردين عن فتاوى أهل العلم، وأن الواجب في حقهم أن لا يفتيهم أحد من العلماء، على كثرة في النوازل، لأن أولئك العلماء ليسوا معينين من الإمام. ولأن ملك السعودية ليس إمامًا لهم، ولا خليفة للمسلمين. ومن عينه ملك السعودية مفتيًا، فتعيينه لا يعنيهم ... إلخ. وهذا أمر غاية في الخطورة.

(1) * المغني والشرح الكبير، ج: 11، ص: 483 / 484. (وانظر فيه تفصيل المسألة فله فيها نصوص مؤيدة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت