ولو صح لكانت كل فتاوى الشيخ الألباني باطلة وعاطلة أيضًا. فالألباني ليس إمامًا، ولم يعينه إمام. لا شرعي ولا غير شرعي. ومع ذلك ففتاواه يتلقفونها تلقف الظمآن للماء الزلال بحقها وباطلها. وفي المقابل، هاهم حكامهم في السعودية والكويت وما حولهما لا يحسن أحدهم تركيب جملة مفيدة، أتراهم يصلحون للفتوى؟ قد يقولون يمكنهم تعيين من يفتي بالنيابة عنهم؛ والجواب: كيف لهم أن يميزوا بين أهل العلم والفتوى وهم لا ميزان لهم أصلًا؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.
ثم هاهي ذي قافلة المفتين منذ فجر الإسلام إلى الآن تملأ الآفاق، من عينهم جميعًا للإفتاء؟ من عين مجاهد وقتادة والسدي والضحاك؟ من عيّن سفيان بن عيينة والحسن البصري وسعيد بن جبير؟ وهلم جرًا. من عين أحمد بن حنبل والبخاري ومسلمًا والترمذي والنسائي وابن ماجة؟ وهذا ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي والألوسي والقاسمي وغيرهم، من عينهم للتفسير والفتيا؟ وهذا ابن تيمية فتاواه مدونة تئن بحملها الجمال، من عينه لهذه المهمة؟ وتلميذه ابن القيم، من نصبه؟ - لا للفتوى فقط- بل لتوجيه المفتين في كتابه العظيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين؟ فإذا عجزوا عن إثبات كونهم كانوا خلفاء، أوعن كونهم كانوا يفتون بأمر من الخلفاء- وهم عاجزون- فإن لازم قولهم الأرعن إسقاط كل فتاوى هؤلاء الجهابذة الأعلام، ليبقى في ساحتهم الجرداء علماء الأمراء وأشياعهم يشبعونهم فتاوى في الحج والعمرة، في العام ألف مرة، من غير ولا فتوى واحدة في كثير من القضايا الهامة، كزكاة النفط مثلًا، ولا مرة. لذا نقول إن الخطورة تكمن في قبول الفتوى من العلماء الرسميين، لا العكس.
كبار الأئمة واصلوا الجهاد بالفتوى على الرغم من منعهم.
خامسًا: لقد كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى مفتيًا بالتعيين كما ذكروا، ومالك هو الذي أرغم من طرف الأمير ألا يفتي في شأن الطلاق المكره حتى لا تستغل فتواه في مسألة بيعة المكره وأنها لا تلزم قياسًا على الإكراه في الطلاق المكره الذي لا يلزم أيضًا؛ أي حتى لا تتحول فتوى في قضية فقهية أسروية محصورة، إلى قضية - فقهية أيضًا - لكن سياسية خطيرة. ومعلوم أن الإمام مالكًا رحمه الله لم يطع الإمام - وهو شرعي - وواصل جهاده بالفتيا منتهكًا أمر الأمير لأن الطاعة في المعروف كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: [إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ] [1] * ويعلم صغار طلبة العلم بعد ذلك ماذا جرى للإمام المجاهد.. وأدع لأدعياء السلفية البحث بدقة في هذه القضية، وأرجو أن لا ينسوا إخبارنا عن محنة الإمام أحمد مع السلطان في مسألة خلق القرآن. وإن شاءوا فإني متلهف لسماع شيء من جهاد ابن تيمية وعدم كفه عن الفتوى رغم سجنه الذي توفي فيه رحمة الله عليه. ومتلهف أيضًا لمعرفة أفكارهم حول مصير ابن القيم مع السلاطين الظالمين، وهل عدم توقفه عن الفتوى لافتقاره إلى الإذن المزعوم مسقط لتلك الفتاوى الذهبية التي ملأ بها الآفاق؟ ثم لا بأس من إخبارنا عن حكم الإسلام حسب فهم الأدعياء في الإمام السرخسي الخنفي الذي لم يمنع سجنه من إملاء كتابه"المبسوط"من وراء القضبان غصبًا عن السلطان. وهذا البويطي تلميذ الإمام الشافعي رحم الله الجميع، لم يمنعه سوء العذاب من الثبات على القول بعدم خلق القرآن ... إلى آخر ما هناك من أحوال المفتين المخلصين الذين صبروا وصابروا، وضربوا أروع الأمثلة في ساحة الجهاد بالكلمة الطيبة على الرغم من غضب"الإمام"وهيئة كبار عملائه. فهل نقول للناس كل ما لديكم من فتاوى مالك بن أنس وابن تيمية وابن القيم وأمثالهم - رحمة الله تعالى عليهم أجمعين - اضربوا بها عرض الحائط لأن أصحابها لم يكونوا أمراء، ولا رضي عنهم الأمراء، فضلًا عن أن يكونوا قد حصلوا على إذن الفتوى منهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يحتجون علينا بما لم يفهموا من فتاوى هؤلاء الأئمة؟ وهم على يقين أنهم لم يكونوا أئمة في الحكم ولا أذن لهم الحكام، ولكنهم كانوا أئمة في العلم، وأذن لهم الرحمن.
السلطان الجائر يمنع العالم، والعادل يمنع المتعالم.
سادسًا: لم يكن بنو أمية يمنعون العلماء من الفتوى كما يوهمون، إنما كانوا يمنعون المتعالمين والأدعياء: قال ابن القيم رحمه الله: [من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا. قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟..] [2] *
فمن نصدق، الإمام أبا الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى، أم هؤلاء التعساء؟
وقال الإمام النووي رحمه الله: [قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقرّه ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد.] [3] *
(1) * متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الأحكام، رقم: 6612. وكتاب أخبار الآحاد، رقم: 6716./ وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم: 3424. - و: 3425.
(2) * إعلام الموقعين، ج: 4، ص: 217.
(3) * المجموع ج: 1 ص: 14.