إنه التحرز في خدمة الدين، وهو عين ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد، كما في المسألة التالية.
سابعًا: من بلادة الأدعياء وغبائهم أنهم ينقلون كلام الشيوخ من غير فهم ولا دراية، حتى ولو كان ضدًا عليهم. انظر مثلًا كيف يستشهدون بكلام الشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد وهو كلام لنا وعليهم، حيث يقول الشيخ: [فيجب على من بسط الله يده أن يقيم سوق الحجر في الفتيا على المتعالمين، فإن الحجر لاستصلاح الأديان أولى من الحجر لاستصلاح الأبدان والأموال ، وإن الوالي إن لم يجعل على الفتيا كَبْلًا، فسيسمع لها طبلًا، وأن لا يمكن من بذل العلم إلا المتأهل له] [1] *
هكذا فإن الحجر في الفتيا يجب أن يكون على المتعالمين لا على العالمين. وأن لا يمكن من بذل العلم إلا المتأهل له. أي أن من تأهل له، ولو كانوا مائة أو ألفًا أو أكثر من ذلك أو أقل، فلا يجوز الحجر على ورثة الأنبياء، فإن حصل، فلا سمع ولا طاعة، كما فعل مالك بن أنس، وسعيد بن جبير مع الحجاج، وأحمد وابن تيمية وغيرهم كثير.. رحمهم الله تعالى. وكما فعل علماء الحجاز اليوم: سفر الحوالي، وسلمان بن فهد العودة ورفاقهما خارج الحجاز مثل أبي محمد عاصم المقدسي ومن معه في الأردن وغيره على درب الجهاد بالفتيا في هذا الزمان. ومنهم من هم الآن في سجن السلطان، فك الله تعالى أسرهم وكسر قيدهم، آمين.
ثامنًا: إن كلام الشيخ بكر أبي زيد نفسه، فيه إيهام وإبهام وغموض بخصوص قوله: [فيجب على من بسط الله يده ..] ذلك لأن هذا الكلام عام، وهو موجه لمن بسط الله يده على البلاد والعباد بطريق شرعي.. فالبيان هنا واجب حتى لا يفهم المسلمون أن حاكم السعودية هو حاكم المسلمين الشرعي في شرق الأرض وغربها.
الآن"سماحة"المفتي يفتي بمنع العلماء الصادقين.
ونعود ونقول، ليس الإفتاء على أية حال حكْرًا على أحد دون أحد من أهل العلم، هذا هو الأصل. ويوم يكون هناك إمام، يومها يكون الكلام. أما الآن فسماحة المفتي يفتي باستحسان منع الدعاة إلى الله عن الدعوة إلا أن يخضعوا للتعليمات غير الشرعية، ويوافق على سجن الأكفاء منهم لأنهم تجرأوا فنصحوا وأخلصوا، وإذن على الفتاوى الرسمية السلام، وعلى المسلمين الأحرار أن ينفضوا أيديهم من هؤلاء كما نفضناها نحن منذ زمان بعيد، دون أن يضرنا في ذلك كيد العبيد. وختامًا نشير إلى أن هناك استحالة قيام شخص واحد بالفتوى في كل الأمور الخاصة والعامة على تشعبها وتنوعها واختلافها مهما أوتي"سماحة"المفتي من العلم.
شروط المفتي وصفاته
وإلى طالب الحق بعض أقوال أهل العلم في شروط المفتي وأوصافه، وليس من بينها شرط واحد يقول بوجوب تعيين الإمام: اشترط الخطيب البغدادي رحمه الله في أوصاف المفتي: البلوغ والعقل والعدالة والثقة والعلم بالأحكام الشرعية. [2] *
وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: [أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا (أي بالغًا) مسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد. ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا..] [3] *
وقال ابن القيم رحمه الله: [ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا (لاحظ: ينصب نفسه، ولم يقل ينصبه الحاكم) حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته. (يعني عالمًا) الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس.] [4] *
فالشروط والأوصاف التي تجب في المفتي هي: الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة والعلم الشرعي. ولا تشترط الحرية والذكورة والسلامة من كل عيب في الحواس وكذا الإذن من الإمام.
القول ببدعة التنصيب للمفتي العام هو قول العلماء.
ولقد ظنوا أن القول ببدعة تنصيب مفتي الديار قول تفردنا به دون أهل العلم. والحق غير ذلك. فقد قال بما قلنا في بدعة التنصيب لمفتي الديار غير واحد من أهل الرواية والدراية. قال العلامة الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز:
[ (فائدة) بدعة نصب مفتي الديار: قال العلامة عبد القادر بن بدران الدمشقي الحنبلي 1346 هـ (ومما ابتدع في زماننا أنهم يجمعون أهل العمائم، فينتخبون مفتيًا ويسمونه رئيس العلماء، ثم تقرره الحكومة مفتيًا ويحصرون الفتوى فيه -إلى قوله- على أن اختصاص واحد بمنصب الإفتاء -لا يقبل الحاكم الفتوى إلا منه -لم يكن معروفًا في القرون الأولى، وإنما كان الإفتاء موكولًا إلى العلماء الأعلام، واستمر ذلك إلى أن دخل السلطان سليم العثماني دمشق سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة من الهجرة -922 هـ
(1) * التعالم.. لبكر أبي زيد، ص: 41.
(2) * انظر هذه الشروط مشروحة في كتاب الخطيب: الفقيه والمتفقه، ج: 2 ص: 156.
(3) * أدب المفتي ص: 85 / 86.
(4) * إعلام الموقعين ج:4 ص: 199.