الصفحة 67 من 105

فالتركيز على جانب من جوانب التشريع الإسلامي وسلخُه سلخًا عن منظومته العامة ومكانتِه المحكمة، هو الذي يُظهر ذلك الجانب، وكأن خللًا ما أو نقصًا ما يوجد فعلًا في شرع الله سبحانه. وهو ما يريد الزنادقة إثباته، ويعملون على الترويج له.

إن الإسلام دين كامل وشامل، وجامع ومانع. وكل جزئية من تشريعاته، وكل فرع من فروعه أو أصل من أصوله، لا تدرك فائدته وأهميته، ولا يكتسي حلته الجميلة، ولا تظهر هيئته الجليلة، إلا في إطاره ومكانه من دين الله تعالى. وليس لأحد أن يتناول حكمًا شرعيًا مستقلًا عن الأحكام الشرعية الأخرى والمرتبطة ارتباطًا بالعقيدة الإسلامية التي لا يمكن الفصل بينها البتة. فهي أشبه ما يكون بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضًا. والفائدة الشرعية لكل حكم شرعي إنما تتجلى على وجه الخصوص عند التطبيق الشامل مع الإيمان الكامل.

ومن شاء مثالًا للتوضيح فإني أقول: انظر إلى أي جهاز عضوي في الإنسان، ماذا تفعل أذن أو عين أو معدة أو غيرها إذا طرح في مكان منعزل عن الجسد الحي؟ لا شيء. فالعين لا تعمل بالإبصار، ولا الأذن بالسمع .. إلا وهي سالمة معافاة في مكانها من جسدها الذي أبدعه الله تعالى وصوره فأحسن تصويره. فكذلك أحكام الله جل وعلا، لا تكون كاملة إلا إذا كانت متكاملة مع غيرها من الأحكام والعقائد. سواء تعلق الأمر بالإرث أم بالشهادة أم بغيرهما. أما الإيمان بما يريدون والكفر بما يريدون فهو الكفر وحده ولا شيء معه من الإيمان البتة: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء:150/ 151] كما أمر الله تعالى كل المؤمنين بالدخول في كل الإيمان: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة:208] .

إني أدرك أن أشقاهم وأسفهَهم سيتهمني بعد هذا البيان العلني بالتكفير عن غير هدى، والإرهاب الفكري والغلو والتنطع .. وربما سيرغي ويزبد على غرار ذلك الكلب الذي عوى مرة في بعض الجرائد فألقمته حجرًا بل جمرًا على نفس صفحات تلك الجرائد فخسئ وخنس، فما كان من الأتعس إلا أن أفلس. ولو أن أحد هؤلاء الأشقياء أطل بكالح وجهه وسولت له نفسه أن يتكلم أو يتعالم، لأعلمنه من أين تؤكل الكتف؛ وإني بذلك لمجاهد، لا يضرني في ذات الله مارق أو معاند. فقد أنذرت وأعذرت.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت