وبيّن الله سبحانه و تعالى هاهنا أنّ ما عليه المشركون من الصدّ عن سبيل الله ومن الإعراض عمّا جاء به نبيّ الله - صلّى الله عليه وسلّم - هو أعظم وأكبر وأشنع وأقبح من القتال في الشهر الحرام، ولذلك أنشد أبو بكر الصديق وقيل إنّه إنّما قال ذلك عبد الله ابن جحش - رضي الله عنه:
تعدون قتلًا في الحرام عظيمة *** وأعظم منه لو يرى الرشد راشدُ
صدودكمُ عما يقول محمدٌ *** وكفرٌ به والله راءٍ وشاهدُ
وإخراجكم من مسجد الله أهله *** لئلا يُرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله *** وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا *** بنخلة لما أوقد الحرب واقد
وكان هؤلاء القوم يسألون النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - مرتبة المجاهدين وكانوا على رجاء شديد فنزل فيهم قوله سبحانه و تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُ وا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَائِكَ يَرْ جُونَ رَ حْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّ حِيمٌ} [البقرة:218] . فجعلهم الله سبحانه وتعالى في أعلى مقامات الرجاء، وهذه فضيلة عظيمة و منقبة جليلة لهؤلاء القوم، وهذه الوقعة هي أوّل وقعة وقعت بين المسلمين والكافرين، وكان عمرو ابن الحضرميّ أوّل قتيل يُقتل بعدما أُذن للنبيّ - صلّى الله عليه وسلّم- في القتال، وهكذا كان الأسيران أوّل أسيرين يقعا في أسر المسلمين، وقسّم عبد الله ابن جحش تلك الغنيمة التي كانت أوّل غنيمة في الإسلام، وسُمّي أمير المؤمنين في تلك الغزوة فكان - رضي الله عنه - أوّل من سمّي بأمير المؤمنين، ولمّا قسّم الغنيمة قبل نزول قول الله سبحانه وتعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] كان هو أوّل من خمّس الغنيمة - رضي الله عنه -،