معه في حرب ولم يكونوا أيضا معه في سلم، ثمّة أقوام لم يكونوا معه في حرب ولم يكونوا معه أيضًا في صلح ولا هدنه، وهؤلاء منهم أناس كانوا يحبذون في باطنهم أن ينتصر النبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - وأصحابه كما كان من بعض النّاس في مكّة، وإمّا أن يكونوا ممّن يُظهر الإسلام ولا يظهرون عداوتهم للنبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - وليسوا معه في صلح بطبيعة الحال لأنّهم يظهرون الإسلام ولكنّهم يضمرون في بواطنهم معاداة للنبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - وأصحابه، وهؤلاء هم المنافقون، وقد أُمر النبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - بالجهاد على مراحل، فأُمر أوّل ما أُمر بأن يقاتل من يقاتله كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] ، و أُمر بعد ذلك بقتال من يليه من الكفّار كما في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة:123] ، ثمّ بعد ذلك أمر بقتال المشركين كافّة كما في قوله سبحانه و تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِ كِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36] ، وبدأت الآيات تترا على النبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - فيما عُرف عند العلماء بآيات السيف، فنزل قوله سبحانه وتعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّ مُونَ مَا حَرَّ مَ اللَّهُ وَرَ سُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُ ونَ} [التوبة:29] ، ونزل قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُ مُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُ وهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْ صَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] إلى غير ذلك من الآيات، ونزل قوله سبحانه وتعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، ومن المعلوم عند أهل التحقيق من العلماء أنّ العبرة إنّما هي في كمال الدّين لا بالمراحل التي مرّت بها دعوة النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - أو مرّ بها قتاله - صلّى الله عليه وسلّم -، فإنّ من المعلوم أنّ دعوته مرّت بمراحل فمكث النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - ثلاثة أعوام في مكّة يدعو سرًّا، يدعو عشيرته الأقربين سرًّا، ثمّ بعد ذلك بدأ