واعتقبوا في ذلك المسير = كل ثلاثةٍ على بعير
ولم يكونوا أوعبوا للحرب = إذ ما غزوا لغير نهب الركب
فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوعب؛ يُقال أوعب بجيشه إذا خرج به كله، ومنه الاستيعاب عندما يستوعبُ الواحد منّا الدرس أي يفهم الدرس كله. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قد خرج بجيشه كلّه وإنّما بقي كثيرٌ من الفرسان في المدينة، ولذلك سنرى - بإذن الله - إنّه عندما يعودُ النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - سيبقى الأثر قويًّا ظاهرًا في قلوب وفي وجوه كثيرٍ من الصحابة لأنّهم لم يشهدوا هذه الوقعة العظيمة، ولذلك سيقول له سعد بن معاذ في هذه الغزوة إنّهم تركوا خلفهم رجالًا يحبّون أن يكونوا مع النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - في ذلك الحين، وليسوا هم بأشدّ حبًّا للنبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - من أولئك الذين ضلّوا في المدينة، ولكنّه لم يكن قد خرج بصحابته المقاتلين كلّهم.
ولم يكونوا أوعبوا للحرب = إذ ما غزوا لغير نهب الركب
إنّما غزى لنهب قافلة أبي سفيان، وقد مرّ بنا أنّ المشركين آنذاك كانوا مستحقّين بأن لا تكون لأموالهم ولا أعراضهم ولا لأنفسهم حرمه بسبب ما فعلوه للنبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - وصحابته، فهم الذين بدأوا بالقتال كما ذكر الله - سبحانه وتعالى: {وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] وهم الذين أخرجوا النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - والصحابة من ديارهم كما في قوله - سبحانه وتعالى - أيضًا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:39،40] مع ذلك أيضًا بسبب ما تلبّسوا به من قذارة الشرك ودرن الإلحاد فإنّهم يستحقّون أيضًا أن تُهدر دماؤهم وأن تُأخذ أموالهم وأن تُسبى نساؤهم وذراريهم كما كان يفعل النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - والصحابة الكرام، إلّا بالنسبة لمن من المشركين كان ذا أمانٍ أو ذا عهدٍ أو ذا صُلحٍ كما مرّ بنا،