أما المفقود أثناء القتال مع الكفار فنقل عن مالك وابن القاسم أنه يعتبر كالمفقود في بلاد الأعداء.
وأيضا نقل عن مالك: تتربص امرأته سنة ثم تعتد، وقيل: هو كالمفقود في بلاد المسلمين.
أما المفقود في قتال المسلمين بعضهم مع بعض، فقال مالك وابن القاسم: ليس في ذلك أجل معين، وإنما تعتد زوجته من يوم التقاء الصفين، وقيل: تتربص سنة ثم تعتد وقيل: يترك ذلك لرأي الإمام [1] .
وسبب كل هذا الاختلاف في موقف الفقهاء هو كون اعتبار المفقود الذي لا يدرى عنه أنه حي أو ميت؟ في عداد الأموات، والتصرف في ماله وأهله من غير بينة واضحة، أو برهان قاطع على تحقق الموت فعلا، ليس أمرا هيّنا، مادام الاحتمال قائما بأنه يمكن أن يعود في أية لحظة بعد التفريق بينه وبين زوجته، وتوزيع ما يملكه من مال.
كما أنه ليس من السهل أيضا إرغام امرأة شابة في مقتبل العمر أن تبقى قاعدة من غير زوج، صابرة على ما أصابها، متربصة أن يموت جميع أقران الزوج، ويطول هذا التربص والانتظار نحو مائة عام أو يزيد؟!
وكيف تحافظ على نفسها إذا فقدت قدرتها على الصبر، وخاصة إذا لم تكن أوضاع المجتمع وظروف العائلة تساعدها على ذلك؟ ثم من الذي ينفق عليها إذا لم يكن المفقود من ذوي الثروة والغناء، وأهل الزوج من أهل الجود والسخاء؟
إن الشارع الحكيم حريص على دفع الضرر ورفع الحرج من حياة الإنسان فيما هو أهون من ذلك، فكيف يكون مشروعا ترك المرأة مائة عام في انتظار الزوج المفقود؟!
(1) الموسوعة الفقهية 38/ 269 نقلا عن المدونة 2/ 451 - 452 والتاج والإكليل 4/ 156، 160، 161، وحاشية الدسوقي 2/ 479 - 483.