فهرس الكتاب

الصفحة 2290 من 3931

ألا لمثلك أو من أنت سابقة ... بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد" [1] ."

وفي قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30] ، وجوه من التفسير:

أحدها: أن المعنى:"يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها". قاله الحسن [2] ، وروي عن مجاهد نحو ذلك [3] .

والثاني: أن قوله {أمدا بعيدا} ، معناه: مكانا بعيدا. قاله السدي [4] .

والثالث: أن معناه أجلا وغاية بعيدا. قاله مقاتل بن سليمان [5] ، وابن جريج [6] ، وأبو عبيدة [7] .

قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30] ، أي: والله"يخوفكم عقابه" [8] .

قال مقاتل:"يعني: عقوبته في عمل السوء" [9] .

قوله تعالى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] ، أي: والله رحيم بخلقه" [10] ."

قال الحسن:"من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه" [11] .

الفوائد:

1 -من فوائد الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الانسان جزاء عمله خيره وشره.

2 -ومنها: ثبوت الجزاء لكل نفس، وانه جزاء شامل وان غير المكلف يكتب له ولا يكتب عليه، ولا شك بأنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم، فإنها لا تجد هذا.

3 -ومنها: كمال قدرة الله تعالى بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، لقول: {ما} الموصولة التي تفيد العموم.

4 -ومنها: كمال رقابته عزّ وجلّ، وانه لا يفوته شيء، فما عمل الإنسان فسوف يجده.

5 -إثبات يوم الآخر، الذي هو يوم الجزاء.

6 -ومنها: ان الشر يسوء صاحبه، لقوله: {وما عملت من سوء} .

7 -إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: {تودّ} ، لأن المودة خالص المحبة، وهي فرع من الشعور بالشيء.

8 -ومنها: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، لقوله: {تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا} ، وأنه يحب ان يكون بينه وبين عمله السيء امدا بعيدا.

9 -رحمة الله بعباده بتحذيرهم من عقوبته، لقوله: {ويحذركم الله نفسه} .

10 -إثبات الرأفة لله عزّ وجلّ، لقوله {رءوف} ، والرأفة أسد الرحمة وأرقها.

القرآن

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) } [آل عمران: 31]

التفسير:

قل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوني وآمنوا بي ظاهرًا وباطنًا، يحببكم الله، ويمحُ ذنوبكم، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم.

اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:

أحدها: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:"إن اليهود لما قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبوا أن يقبلوها" [12] .

وقال مقاتل بن سليمان:"لما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فقال الله- عز وجل- لنبيه- صلى الله عليه وسلم- {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} " [13] .

والثاني: قال الحسن:"قال قومٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنزل الله عز وجل:"قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"، فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه" [14] . وروي عن ابن جريج مثل ذلك [15] .

والثالث: وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال:"وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف والقرطة، وهم يسجدون لها، فقال:"يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} "فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم" [16] ."

قال ابن حجر:"وهذا من منكرات جويبر فإن آل عمران مدنية، وهذه القصة إنما كانت بمكة قبل الهجرة، ولعل الذي نزل فيهما في أوائل الزمر" [17] .

والرابع: ونقل الواحدي عن محمد بن جعفر بن الزبير:"نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم [18] ."

قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقًا تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله" [19] ."

أخرج ابن أبي حاتم بسنده"عن أبي الدرداء في قوله {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس" [20] .

وقال الحسن:"فكان علامة حبه إياهم اتباع سنة رسوله" [21] .

قال ابن كثير:"أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ" [22] .

قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 32] ، أي:"ويغفر لكم ما سلف من الذنوب" [23] .

قال محمد بن إسحاق:"أي: ما مضى من كفركم" [24] .

(1) تفسير الثعلي: 3/ 50.

(2) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3394) : ص 2/ 631.

(3) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3395) : ص 2/ 631 - 632.

(4) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3397) : ص 2/ 632.

(5) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.

(6) انظر: تفسير ابن المنذر (359) : ص 1/ 168.

(7) انظر: تفسير ابن المنذر (360) : ص 1/ 168.

(8) تفسير ابن كثير: 2/ 31.

(9) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.

(10) صفوة التفاسير: 178.

(11) أخرجه الطبري (6844) : ص 6/ 321.

(12) أسباب النزول للواحدي: 103.

(13) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270 - 271.

(14) أخرجه الطبري (6845) : ص 6/ 323.

(15) أخرجه الطبري (6847) : ص 6/ 323، وابن المنذر (362) : ص 1/ 169، وابن أبي حاتم (3402) : ص 2/ 633، من طريق بكر بن الأسود عن الحسن به، ونقله الواحدي في أساب النزول: 103، وإسناده ضعيف جدا بسبب بكر، انظر: ميزان الاعتدال: 1/ 342 - رقم: 1271، وضعف الإمام ابن جرير هذا السبب، انظر: تفسيرالطبري: 6/ 324.

(16) اسباب النزول: 103.

(17) العجاب: 2/ 678.

(18) اسباب النزول: 103، والعجاب: 2/ 677، وانظر: سيرة ابن هشام: 1/ 578 - 579 في قصة وفد نجران.

(19) صفوة التفاسير: 178.

(20) تفسير ابن أبي حاتم (3400) : ص 2/ 632.

(21) أخرجه ابن أبي حاتم (3401) : ص 2/ 632 - 633.

(22) تفسير ابن كثير: 2/ 32.

(23) صفوة التفاسير: 178.

(24) أخرجه ابن أبي حاتم (3404) : ص 2/ 632 - 633.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت