قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري [1] ، روى منصور عن مجاهد قال:"إن إبليس رنَّ أربعَ رنَّاتٍ: حين لُعِنَ، وحين أُهبط من الجنَّة، وحين بُعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وحين أُنزلت فاتحة الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة" [2] .
قال الحسين بن الفضل:"هذه هفوة من مجاهد، لأنّ العلماء على خلاف قوله" [3] .
وروى الطَّبرانيُّ في"الأوسط":"حدثنا عُبيد بن غنَّام ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا أبو الأَحْوَصِ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة: أنَّ إبليسَ رنَّ حين أُنزلت فاتحةُ الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة، وقال: لم يروه عن منصور إلا أبو الأحوص، تفرّد به أبو بكر بن أبي شيبة" [4] ، ورواه سفيان وغيره عن منصور ووقفُوه على مجاهدٍ.
واستدلوا على هذا بحديث مشهور في صحيح مسلم:"بينما جبريل قاعد عند النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" [5] .
فإن قيل: هذا كان في المدينة، فكيف جاء بفاتحة الكتاب وهي نزلت بمكة؟
يقال: هو لم يأتِ بها أصلًا، وإنما بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، والبشارة يمكن أن تكون أيضًا على أمرٍ قد مضى، فبين له المزية لسورة الفاتحة وآخر آيتين أوتيهما -صلى الله عليه وسلم- من سورة البقرة، فالبشارة يمكن أن تكون عن شيء كان في الماضي، وهو كذلك، فلا يفهم منه أنه هو الذي نزل بها كما قال بعض المعاصرين: إن بعض القرآن قد ينزل به غير جبريل، فالأمر واضح أن جبريل هو الذي نزل به كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] ، فالقول بأن هذا في الجملة ولا يؤثر على ذلك أن ينزل غيره بآيةٍ أو نحو هذا، فهذا قول غير صحيح.
ومعروف قطعًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بمكة، وكان يقرأ الفاتحة، وآية الحجر تدل على نزولها بمكة.
القول الثالث: أنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة:
أراد بعض أهل العلم أن يوفق وأن يجمع فقال: نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة.
قال الشوكاني:"وقيل: إنّها نزلت مرّتين مرّةً بمكّة ومرّةً بالمدينة جمعًا بين هذه الرّوايات" [6] .
(1) انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 101، ومجمع البيان: 1/ 17.
(2) انظر: الدر المنثور، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) ، ار الفكر - بيروت: 1/ 11.
(3) الإتقان: 1/ 12.
(4) المعجم الأوسط: (5/ 100 - رقم: 4788) .
(5) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها - باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة (806) (ج 1 / ص 554) .
(6) فتح القدير: 1/ 73 - 74.