الصفحة 177 من 1182

فمن أوضح الدلالة على معرفة الله سبحانه وتعالى على أن للخلق صانعا ومدبرا أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال لأنه لا يقدر أن يحدث في الحال الأفضل التي هي حال كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ذلك على أنه في وقت نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر

فإن قيل إن النطفة قديمة وفيها قوة قابلة للاغتذاء فإذا وقعت في الرحم والطبائع معتدلة قبلت بالقوة التي فيها الاغتذاء والتربية حتى تستوي جارحة ويتم بها خلقه

قيل لو كانت النطفة قديمة كما زعمتم لم يجز عليها الانقلاب والتغيير لأن التغيير والانقلاب من سمات الحدث فبطل أن يكون المنقلب المتصرف قديما

فأما ما ادعوه من قبول النطفة بما فيها من القوة الاغتذاء والتربية فإن ذلك لا ينكر إذا صح العلم به في طريق العادات ولكن الذي ننكره من ذلك أن يكون هذا الفعل للنطفة بذاتها من غير مدبر دبرها لذلك ولو كان هذا جائزا من غير مدبر حكيم عالم قدير يعلم كيف يدبر النطفة ويقلبها أطوارا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت