الصفحة 29 من 51

(فإنه حين رأى ذوي الصياغة للمعاني شبهوا الهدى والشريعة والسنن وكل ما هو علم بالنور، لجعل صاحبها في حكم من يمشي في نور الشمس فيهتدي إلى الطريق المعبد، فلا يتعسف فيعثر تارة على عدو قتّال، ويتردى أخرى في مهواة مهلكة، وشبهوا الضلالة والبدعة وكل ما هو جهل بالظلمة، لجعل صاحبها في حكم من يخبط في الظلماء فلا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال بين عثور وبين تردد: قصد في تشبيه هذا تفضيل السنن في الوضوح على النجوم، وتنزيل البدع في الإظلام فوق الدياجي) (1) .

اجتهادنا المنضبط في مواجهة الاعتزال الجديد

ثم إن الدعوة إلى (العلم الإسلامي) هي أبعد من مجرد دعوة تعميمية إلى علم إسلامي ملفق من أقوال علماء المسلمين بلا قاعدة تحدد الاختيار والانتقاء، وإنما هي دعوة تخصيصية للرجوع إلى علم شرعي على منهج الأصالة الذي تركته لنا واضحا جمهرة أئمة المذاهب الأربعة ومن قاربهم من السلف القديم، وهو علم وقاف عند النصوص الحديثية الصحيحة، مستنبط لما فيها من معان وفق قواعد فن أصول الفقه وضوابطه الدقيقة.

إنها إذن دعوة إلى العلم مرتبطة بمنهجية صارمة هي وحدها القادرة على أن تتكفل بتحجيم ( المنهجية العقلية ) التي رفعت رأسها مجددا على طريقة التوسع في التأول في إطار المدرسة الاعتزالية المعروفة، والتي ربما ستجلب مزايدات غير محدودة في الترخص والتسهيل والتجانس مع الحياة العلمانية السائدة تبعا لاختلاف عقول المشاركين في الإفتاء والتوصيف والتعليل، والدليل على ذلك أن من حاز علم الأصول من أصحاب هذه المدرسة لا زال أقل إغرابا من غيره وأسلم قولا.

(1) مفتاح العلوم / 343

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت