الصفحة 32 من 51

فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة، وا أسفا على تفريطي في طاعة الله، وا أسفاه على تضييعي عمري في دار الدنيا! ثم بكى، واستقبل القبلة فقال:

اللهم إني أستقبلك في يومي هدا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك، اللهم فاقبلني على ما كان في، واعف عما تقدم من فعلي، وأقلني عثرتي. ثم استقام حتى مات.

وهذا النمط من كلام صالح المري هو الأصل الذي وسعه سيد قطب في وصفه لمشاهد القيامة في القرآن.

وإنما تتاح لك مثل هذه الذكرى التي تنفعك وتنفع المؤمنين إذا طالعت كتب الرقائق والمواعظ وقصص أهل الصلاح وأصحاب المحاريب، وهي تجربة ابن الجوزي رحمه الله، التي يشدد عليها. قال:

(رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟

وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببا لرقة قلبك) (1) .

ولذلك حذرنا في مناسبة أخرى من طريقة الفقهاء في تجريد دراسة الأحكام، حين (جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة، ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب) (2) .

(1) صيد الخاطر / 216

(2) تلبيس إبليس / 116

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت