الصفحة 31 من 51

كما قال بعض الصالحين: (ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب) (1) ، واستشهد بدعاء زكريا وكيف أن الله تعالى وهبه يحيى وبشره به وهو قائم يصلي في ا لمحراب.

والتأثير في الآخرين هو أسمى هذه الصور السنية التي نطمح لها، ولن تكون إلا من خلال المحاريب.

وإنما يحرك المحراب فينا معاني الرجاء والخوف معا، وهي أحوال قلبية وممارسات عملية معا.

أما الرجاء: فرجاء الكرامة والفوز والنجاة، وطريق هذه النعم معروف، بينته معادلة شرطية في القرآن في قوله تعالى: { وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم } .

قال النسفي: قال أهل الإشارة:

( أوفوا في دار محنتي، على بساط خدمتي، بحفظ حرمتي: أوف في دار نعمتي، على بساط كرامتي، بسرور رؤيتي) (2) .

وأما الخوف: فمن فزع يومئذ، وأقل هذا الفزع ما صوره صالح المري لما قرأ قارئ: { وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } .

فقطع صالح عليه القراءة وقال:

"كيف يكون لظالم حميم أو شفيع والمطالب له رب العالمين؟"

إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم، حفاة عراة مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسادهم، ينادون: يا ويلنا يا ثبورنا، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا، ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران، فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين، ومرة يقادون إليها مقرنين، من بين باك دما بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت. إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك.

ثم نحب وصاح: يا سوء منظراه! يا سوء منقلباه!""

وبكى وأبكى الناس.

فقام فتى فقال: أكل هذا في يوم القيامة يا أبا بشر؟

قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكثر.

(1) تفسير النسفي 1/213

(2) تفسير النسفي 1/46

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت