الصفحة 43 من 51

وصار التروي تهمة، ربما يتهم الداعية بها رهطه، يريد النتيجة العاجلة، وكأنه أصبح ضجرا من طول الدرب، في حين يُجمع الفقهاء والساسة والفلاسفة والأدباء على أن الحكمة لا تأذن بقفز يتجاوز التدرج، حتى الشاعر البدوي أدرك جوهر التخطيط بفطرته، فقال:

منا الأناة وبعض القوم يحسبنا أنا بطاء وفي إبطائنا سرع

قال التبريزي: (المعنى: نحن لا نعمل عملا ولا نمضي رأيا إلا بعد التأني والتروي، فلذلك بعض القوم الذين لا تجربة لهم يظنون أنا بطاء، ولا يعلمون أن إبطاءنا فيه سرعة) (1) .

أما كيف يكون الإبطاء سرعة فالحساب بسيط، ذلك أن الاستعجال يقود إلى فشل، فتضطر لتكرار العمل، ولو جمعت الوقت الأول ووقت الاستئناف الثاني لكان أطول من وقت واحد على الطريقة المحكمة المنتجة.

أولئك قوم إن بنوا: أحسنوا البنا

ويتنادى الدعاة اليوم إلى حملة تكشف فقه التخطيط الصحيح وقواعده وتورد أمثلة تفسيرية له، وقد بدأت بنجاح، وطرحت في أوساط الدعاة بحوث عديدة، وهذا المنحى هو في غاية الأهمية، وينبغي أن نواصل الكتابة فيه، وأن يأخذ مكانه البارز في المنهج، فإن المحيط معقد، ولن تنفعنا بدائية وجزافية، إنما يصل بنا تقعيد وتنظير، وتنويع لمصادر التأثير، وإحصاء للطاقات وسبل صرفها، واستدراك على النقص، وتطوير، وتقويم ناقد.

أجول على علم ... وأعرف ما أعني

وشبهة رابعة تنفي القوة عنا حين ترى الحصار المحكم الذي فرضه الخصوم علينا حتى احتكروا أشكال القوة العرفية، وحصرونا في الزاوية الضيقة كدعوة خالية الغمد.

وليس هذا التعميم بصواب، لأن قوتهم مقترنة بغوغائية يقودها جهل، وتأسرهم أذواق فاسدة منحرفة عن الفطرة، وتسيرهم أخلاق مصلحية نفعية هي عن المكارم نائية، مع فوضى في التفكير، ومزاجية في القرار، وخيانة في الأداء، وانظر كيف اجتمعت كل هذه العيوب في حزب صدام مثلا .

(1) شرح ديوان الحماسة / 262

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت