الصفحة 42 من 51

وأذهله الخمر، والدعاة بين ظهرانيهم يتفردون بالمناقب والصدق والعفاف والجد والهدي النقي، ومن لم يلحظ هذه المقارنة النسبية فهو عن ميزان العدل ناكب.

لذلك يليق بدعاة الإسلام اليوم أن يثقوا بأنفسهم ثقة تامة: أنهم أمثل من في الساحة، وأنهم أهل للإصلاح، وجدير بهم أن لا يلتفتوا إلى وسوسة شيطان أو أكاذيب الملأ الذين يتحلقون حول الظالمين، بل عليهم أن يشقوا الطريق صاعدين، بما حكر الإيمان لهم من أولوية وولاية.

وتنهض شبهة ثانية: أن عددنا قليل، وللباطل سواد عظيم.

وقد جوبه الشاعر بمثل ذلك، فكان جوابه القديم جوابنا، وذاك يوم قال:

تعيرنا بأنا قليل عددنا فقلت لها: إن الكرام قليل

وما قل من كانت بقاياه مثلنا *** شباب تسامى للعلا وكهول

فهي ظاهرة أخرى من ظواهر الحياة إذن، يجب أن ننتبه لها: أن الكرام قليل، وأما الأكثرين فدون ذلك، في درجات متنازلة، حتى يكون اللئيم والكاذب وآكل الحرام، فهي حكمة ربانية جعلت نقباء الفضل في الناس الأقل، كما جعلت النسر والصقر بين الطير قلة، أو أشجار الثمر بين أنواع النبات.

لكن قوة التأثير إنما تأتي من وحدة المنهج العالي، ومن وحدة الأجيال حين تتوارث الخير، وذلك ما يعبر عنه الشطر الأخير:

* شباب تسامى للعلا وكهول *

فهو منهج يصعد بأصحابه (نحو المعالي) ، ولا يحوم حول السفليات الدنيوية والمطامع وغصب الحقوق، وإنما هو منهج التسامي.

ثم هم شباب وكهول، في وحدة قلبية تربط الجيلين ومن قبلهما من فتيان ومن بعدهما من شيوخ، وتجعلهم يحسون بركة السلف والحاجة للمجرب، حتى تكون الوصية بينهم أن: كبروا، كبروا، وأهل الدنيا يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ اللاحق من السابق، وينعته برجعية وتخلف، وينقم عليه طول اللبث.

وبذلك نحقق عنصر امتياز وتفوق، و {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت