ينظر الداعية الجاد إلى نفسه، وإلى إخوانه في الرهط الدعوي، فيرى نقصا عن بلوغ الصورة المثالية التي تصفها أسطر فقه الدعوة، وتستوقفه بقايا ضعف أو طمع أو جهل، فيأخذ يتهم ذاته والآخرين، وتزيده الاتهامات الظالمة التي تطيرها أجهزة الإعلام المعادية إحباطا، وليس ذلك بصواب أبدا، وملاذنا قاعدة صريحة في الفقه: (إن عقد الإسلام لا ينحل بازدحام الآثام، وترتفع ألف حوبة بتوبة) (1) .
فلو ذهبنا جدلا أن حياة بعض الدعاة تزدحم بذنوب، فإن التوبة تعدل ذلك وتعالج الأمر معالجة تامة، ونحن التوابون ولا فخر، ونحن أساتذة الاستغفار بحمد الله، لأن منهجية التربية الدعوية تفرض رقابة صارمة على الأداء والممارسات، وتعالج كل ظاهرة سلبية، فتكون النتيجة دوما نوعا من الاتزان الذي تكون كتلته النوعية في العموم ثقيلة راجحة على مجموع أحوال الإحسان الفردية التي يمثلها أشخاص متفرقون خارج محيط الدعوة، فقد يبلغ مسلم درجة في العبادة ومكارم الأخلاق لا يبلغها داعية، وتتكرر هذه الصورة في عدد من الأفاضل، و لكن المجتمع الدعوي يمثل حضورا تعبديا و أخلاقيا و علميا في حياة كل قطر إسلامي هو أنفذ وأقوى وأبعد تأثيرا من تأثير العناصر المفردة ، و ما النقصان في أفراد الدعاة - لو كان - إلا ظاهرة متوقعة محسوبة مهما وصفت الكتابات العلو المطلوب، لأن هذا العلو إنما يضرب كمثل ورمز وغاية، ليصل من يصل إلى نصف الوصف النموذجي وثلثيه وثلاثة أرباعه، وما يكاد يقارب الأعالي الحقيقية إلا قلائل، ولا يتقمص الملائكية أحد، إنما هو التسديد والمقاربة والتشبه والمحاولة والرجاء، وتزداد درجة المحاسن النسبية للدعاة وضوحا إذا كانت المقارنة بينهم وبين جمهرة السوء في المجتمع، وكل منصف يعلم أن الكثير من أبناء الأمة اليوم إنما هم غثاء، وفيهم من أنواع الغفلات والشطط والفساد والعدوان ما فيهم، وفيهم كل متردية ونطيحة وما أكل السبع، ومن لوثه الربا
(1) تفسير النسفي 1/438