أما أنها ليست كل كتابة ولا كل كاتب فنعم، فإن السطور الباسمة تستلزم خلفية من التجريب ومن الانغماس الفعلي في الأعمال والأحداث المحيطة، ولا يمكن أن توصف للكاتب التجارب وصفا مجردا، وتروى له رواية، لينقلها بين أسطره، فإن مثل هذا وهذا كمثل سائح وراكب طائرة، فإن من ركاب الطائرات من تنزل به طائرته قبل وصوله مقصده في مطارات مدينتين وثلاث، فيرى هذه المدن من مسافة بعيدة، ويأخذ يصف لك حسن روما وجنيف وباريس، ويحلف لك الأيمان أنه رآها، وما كذب، وإن كان لم يزر متحفا، ولا استمتع بشاطئ بحيرة، ولا صعد برجا، وإنما هو راء لها من نافذة الطائرة حين كانت تقترب من المطار وتنخفض، وحين كانت تقلع وتعلو.
كلا، بل هي ساعات تأمل، وخلوات تفكر، وسياحة تعرف، يضطر خلالها الأديب أو المربي إلى أن يعصر قلبه عصرا، لتسيل من قلمه الدمعات، لتبتسم على الورق الكلمات، تشارك في منح شيء للناس.... اسمه الابتسام.
ولهذا يكون الإعراض عن القراءة من كبائر الناس الكبيرة، ولعلها الموبقة الحادية عشر، بعد إذ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتناب العشر الموبقات، فإن المتلقين تجب عليهم همة للقراءة توازي تلك الهمة التي عصرت الحكمة من قلوب الكاتبين.
إن من مصائب أمتنا اليوم: أنها لا تقرأ، ومع ذلك فلا يتجه هذا الخطاب لها، لأن طريق الاستدراك طويل، ويبدأ بيقظة الخاصة من دعاة الإسلام، ليقودوا البقية، وإنما الخطاب متجه لهذه الخاصة الرائدة القائدة، بل ولفتيان الدعوة الميامين، الذين هم قادة المستقبل.
فنعم الفتيان، فتيان الدعوة، لو قرأوا.