لقد عرفت شباب الإسلام، وصاحبتهم، واقتربت منهم، فوجدتهم من أنقى الناس سريرة، وأنصعهم طهرا، وأصفاهم عقيدة، وأجزلهم وعيا، ورأيت منهم تشميرا إلى الخير، في حرص دائب، وفرارا إلى الله تعالى من خلال طريق عريض لاحب، لكنها كثافة المطالعة تنقصهم، ولو أنهم أحنوا ظهورهم على كتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ طويلا، واكتالوا لهم من الأدب والثقافة العالمية العامة جزيلا، لكملت أوصافهم، ولتفردوا في المناقب.
وإني لأعجب من دعاة الإسلام الذين أراهم اليوم، كيف يجرؤ أحدهم على إطالة العنق في المجالس، والنشر في الصحف، قبل أن يجمع شيئا من البيان جمعه الطبري في تأويل آي القرآن، وقبل أن يرفع له راية مع ابن حجر في فتحه، ولم ينل بعد من رفق أم الشافعي وحنانها، ولا كان له انبساط مع السرخسي في مبسوطه، أو موافقة للشاطبي في موافقاته؟
وكيف يقنع الداعية وهو لم يقرأ بعد المهم من كتب ابن تيمية، وابن القيم، والغزالي، وابن حزم؟
وكيف يسرع داعية إلى ذلك وهو لم يكثر من مطالعة كتب الأدب العربي القديم، ولم يعكف مع الجاحظ وأبي حيان، أو ابن قتيبة وأديبي أصبهان؟
وأعجب أكثر من هذا لداعية أثير حماسه لهذه العلوم والآداب فيقول: ليس لي وقت، كأنه غير مطالب بإتعاب نفسه تعبا مضاعفا، ولا شرع له السهر!
ثم أعجب أكثر إذا ذكرت له كتابا، فيأتيني من الغد مغاضبا، لخطأ وقع فيه كاتبه، أو بدعة طفيفة، كأن العلم لا يؤخذ إلا من صاحب سنة محضة وكتاب مصون!
وماذا عليك لو أنك قرأت ونقحت، وتخيرت وانتقيت، وأخذت وأعرضت؟