وقد طبق التخطيط عمليا في العديد من الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية باعتباره منهجا علميا لإدارة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية على كافة المستويات، فقد طبقته الدول المتخلفة، بما فيها دول تنتهج مبدأ الحرية الاقتصادية مثلما هو الحال في كوريا الجنوبية التي انتهجت التخطيط مع مطلع الستينات، وحققت التنمية المخططة بها نجاحا لم تصل إليه كوريا الشمالية ذات النظام الشمولي والنهج الإلزامي في التخطيط، وذلك بالرغم من أن التخطيط عادة ينسب للنظم السياسية والاقتصادية الشمولية، باعتبار أنها تُسيِّر مجتمعاتها وفق خطط شامة تلزم بها كافة المِؤسسات بمختلف الأنشطة [1] ، وإذا كان هذا صحيحا، فإنه من الخطأ ربط التخطيط بالنظم الشمولية إذ أن المؤسسات الخاصة تقوم بالتخطيط لأنشطتها أيضا، كما أن العديد من الدول التي تعتمد اقتصاد السوق وآلياته تنتهج أسلوب التخطيط كأساس لإدارة اقتصادها الوطني، وتحقيق أهداف النمو والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن ذلك الخلط بين مفهوم التخطيط كوسيلة علمية لإدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وبين مفهوم النظام الاجتماعي الاقتصادي كان ولا يزال السبب الرئيسي في عدم إتباع عدد كبير من الدول الغربية (دول اقتصاد السوق) وبعض الدول المتخلفة لأسلوب التخطيط للتنمية.
(1) ـ وقد يكون ذلك بسبب عدم التمييز عند البعض بين مفهوم التخطيط كوسيلة علمية لإدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية وبين مفهوم النظام الاجتماعي والاقتصادي، الذي يعبر عن مجموعة القواعد التي تحكم ظاهرة أو مجموعة من الظواهر الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية، لمزيد من التفاصيل حول مفهوم النظام، راجع ميلود المهذبي، في المستقبل العربي، مجلة فكرية شهرية، يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، تموز/يوليو1992