الفصل الثالث
التحولات الاقتصادية العالمية
تمهيد:
في هذه الحقبة التي انتقل فيها العالم من مرحلة تاريخية سابقة إلى مرحلة جديدة، بتسارع غير مسبوق، وبمتغيرات نوعية تحمل في طياتها، حاضرا ومستقبلا تحديات غير اعتيادية، إذ أنه من أبرز سمات العالم المعاصر أنه عالم يموج بالتغيرات المتلاحقة في شتى ميادين العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، وضمن هذا المناخ السريع التقلبات يقوم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية بدور رئيسي فيه، إضافة إلى بعض المؤسسات الدولية الأخرى كبرنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED والهدف المعلن لهذه المؤسسات هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي من خلال مساعدة البلدان التي تعاني أزمات اقتصادية، فتقدم لها هذه المؤسسات الدراسات والحلول والقروض من خلال مفهوم يدعى"إجماع أو توافق واشنطن" [1] .
(1) ـ كان"جون وليامصن John Williamson"أول من صاغ مجموعة من التوجيهات لإصلاح السياسة الاقتصادية، ويقدم إجماع واشنطن مجموعة من الإجراءات المعيارية للسياسة الاقتصادية تستند إلى النظرية النقدية، وكان موجها في بادئ الأمر إلى الدول"النامية"التي تستند إلى حد كبير على نظام السوق ـ دول أمريكا اللاتينية بالأساس ـ وبعد التحولات التي عصفت بدول المعسكر الشرقي السابق، تم تطبيق بنود التوافق آليا عليها، ولازالت المنظمات الدوليةـ البنك والصندوق الدوليان والمؤسسات الأخرى العاملة في واشنطن خصوصا ـ تستلهم منه وتحاول تطبيقه ـ بطريقة أو بأخرى ـ في علاقاتها مع البلدان المتخلفة، في حين أن هذه الأخيرة تختلف عن البلدان الرأسمالية على الأقل من حيث: أنها اقتصاديات لا ترتبط في مراحلها الأولى بالسوق، وتحرير الأسعار، والتخلي عن التخطيط هنا لا يمكن أن يكون ذا جدوى في تقديم حلول لمشاكلها المطروحة، كذلك أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالبلدان المتخلفة لا يمكن في ظله أن يتم توزيع الموارد استنادا إلى قواعد اقتصاد السوق بمفردها مع إزالة للحواجز كليا أمام المنافسة الحرة.