الصفحة 110 من 369

وقد أثبتت التجارب التي أتينا على تناول بعضها في هذا الفصل أن هناك إمكانية للفصل بين مفهوم الأنظمة السياسية والتخطيط للتنمية (التجارب في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة، على اختلاف الأوضاع والفترات) وبالرغم من نهاية منهج التخطيط المركزي الشامل وفشل الاقتصاديات المركزية في تحقيق التنمية،فإن ذلك لا يعني في نظرنا نهاية التخطيط للتنمية كأسلوب علمي محايد، لأن الأمر يرتبط بأسلوب ممارسة التخطيط الاقتصادي في أي نظام سياسي واقتصادي مهما كانت توجهاته الإيديولوجية، خصوصا وأن التوجهات الحديثة في حقل التنمية تزيد من الحاجة للتخطيط فالتحولات المتزايدة في جميع الميادين وأساسا ما يتعلق بالمقاييس الكمية وبمؤثرات النمو الاقتصادي، كلها عوامل تدفع للتمسك بالتخطيط، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الاختلافات بين طبيعة الأنظمة التي يمارس فيها نمط التخطيط؛ وهنا لابد أن يبرز الاختلاف الأساسي بين الاقتصاديات الرأسمالية والتخطيط الذي كان يمارس في الاقتصاديات المركزية السابقة، إذ كان هناك الإجبار، أما هنا فيمكن أن يكون التحفيز، فإذا كان الأول يعمل من خلال وضع مجموعة أهداف محددة تمثل مسارا مرغوبا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويحاول إضافة إلى ذلك انجاز مخططه من خلال المراقبة المباشرة للأنشطة شبه الكلية للوحدات الإنتاجية بالاقتصاد الوطني، فإن الأسلوب الثاني يتبع إجراءات فعالة ولكنها غير مباشرة.

وعليه يمكننا القول أنه بالرغم مما طرأ على المفاهيم والتوجهات السياسية والاقتصادية والثقافية بالبلدان المتخلفة، منذ نهاية القرن العشرين، فإن التخطيط يبقى هو الأسلوب الأمثل لإدارة عملية التنمية فيها ، ومهما اختلفت النظم والمفاهيم الممنوحة للتنمية، وتبقى مشكلة البلدان المتخلفة هي البحث عن أسلوب يأخذ بمزايا كل من الأسلوبين تماشيا مع أوضاعها ومع ما تفرزه التحولات الراهنة أو الجارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت