الصفحة 104 من 471

والثانى: ... أنه قد ثبت في الأصول العلميَّة أن كل قاعدة كلَّية أو دليل شرعى كلَّى، إذا تكرَّرت في مواضع كثيرة، وأتى بها شواهد على معان أصوليَّة أو فروعيَّة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرُّرها وإعادة تقرُّرها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم.

والثالث: ... إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمَّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمَّن اتَّسم بشىء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقُّف ولا مثنوية، فهو -بحسب الاستقراء- إجماع ثابت، فدلَّ على أن كلَّ بدعة ليست بحق، بل هى من الباطل.

والرابع: ... أن متعقَّل البدعة يقتضى ذلك بنفسه، لأنه من باب مضادَّة الشارع وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقَّة الشارع.

[المبتدع آثمٌ مذموم]

ولما ثبت ذمُّها، ثبت ذم صاحبها، لأنها ليست بمذمومة من حيث تصوُّرها فقط، بل من حيث اتَّصف بها المتَّصف، فهو إذًا المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الإِطلاق والعموم.

ويدل على ذلك أربعة أوجه:

أحدها: ... أن الأدلة المذكورة، إن جاءت فيهم نصًّا، فظاهر، كقوله تعالى: { إن الذين فرّقُوا دينَهُم وكانوا شيعًا لست منهم في شىءٍ } [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فَلَيُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضى ... ) [2] الحديث ... إلى سائر ما نصَّ فيه عليهم، وإن كانت نصًّا في البدعة، فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير إشكال، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم، رجع الجميع إلى تأثيهم.

(1) ... الأنعام: 159.

(2) ... رواه مسلم (249) من حديث أبى هريرة، وابن خزيمة (6) والبيهقى (4/78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت