وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ... . } إلى قوله: { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } [1] .
فلا يصحُّ أن يسمىَّ مَن هذه حالة مبتدعًا ولا ضالًا، وإن حصل في الخلاف أو خفى عليه:
أما أنه غير مبتدع، فلأنه أتبَّع الادلَّة، ملقيًا إليها حكمة الانقياد، باسطًا يد الافتقار، مؤخرًا هواه، ومقدمًا لأمر الله.
وأما كونه غير ضالٍّ، فلأنه على الجادَّة سلك، واليها لجأ، فإن خرج عنها يومًا فأخطأ، فلا حرج عليه، بل يكون مأجورًا حسبما بينه الحديث الصحيح: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب، فله أجران) [2] ،
وإن خرج متعمَّدًا، فليس على أن يجعل خروجه طريقًا مسلوكًا له أو لغيره، وشرعًا يُدان به.
الباب الثالث
فى أن ذم البدع والمُحدثَات عامُّ لا يخص محدثه دون غيرها
ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التى احتجوا بها
فاعلموا -رحمكم الله- أن ما تقَدَّم من الأدلَّة حجة في عموم الذم من أوجه:
أحدها: ... أنها جاءت مطلقة عامَّة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شىء مما يقتضى أن منها ما هو هدىً، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة، إلا كذا وكذا، ... ولا شىءَ من هذه المعانى.
فلو كان هنالك محَدثة يقتضى النظر الشرعى فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذُكِرَ ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدلَّ على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التى لا يتخلَّف عن مقتضاها فردٌ من الأفراد.
(1) ... آل عمران: 7.
(2) ... أخرجه البخارى (7352) ومسلم (1716) من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه.