الصفحة 102 من 471

فصاحب البدعة، لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة، توهًّم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الصراط المستقيم، فهو ضال من حيث ظنَّ أنه راكب للجادَّة، كالمارِّ بالليل على الجادَّة وليس له دليل يهديه، يوشك أن يضلَّ عنها.

فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضلَّ في أدلَّتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت حكم الله.

وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره، لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الادلة بالتبع. فإذا انضمَّ إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة، وعدم الاضطلاع بمقاصدها، كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع.

والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعًا ممَّن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعىًّ، فينُزِله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزليَّة التى لا مرد لها، قال تعالى: { يضل به كثيرًا ويهدى به كثيرًا } [1] ، وقال: { كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } [2] .

لكن، إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها كالكثير، وهو أدلُّ الدليل على اتَّباع الهوى، فإن المعظم والجمهور من الأدلَّة إذا دلَّ على أمر بظاهره، فهو الحق، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف، فهو النادر والقليل، فكان من حقَّ الظاهر ردُّ القليل إلى الكثير، والمتشابه إلى الواضح.

غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه، فهو في تيه من حيث يظن أنه على الطريق، بخلاف غير المبتدع، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أوَّل مطالبه، وأخَّر هواه -إن كان- فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذى بحث عنه، فوجد الجادَّة، وما شذ له عن ذلك فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه ولا يتكلف البحث عن تأويله.

(1) ... البقرة: 26.

(2) ... المدثر: 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت