وحاصل ما ذُكر هنا أن كل مبتدع آثم، ولو فُرِضَ عاملًا بالبدعة المكروهة -إن ثبت فيها كراهة التنزيه-، لأنه إمَّا مستنبطُ لها، فاستنباطه على الترتيب المذكور غير جائز، وإما نائبٌ عن صاحبها، مناضل عنه فيها بما قدر عليه، وذلك يجرى مجرى المستنبط الأول لها، فهو آثم على كل تقدير.
لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى، بحيث يتنزل دليل الشرع على مدلول اللفظ في العرف الذى وقع التخاطب به، إذ يقع الغلط أو التساهل، فيسمَّى مَن ليس بمبتدع مبتدعًا، وبالعكس إن تصور، فلابَّد من فضل اعتناء بهذا المطلب حتى يتَّضح بحول الله، وبالله التوفيق.
ولنفرده في فصل، فنقول:
فصل
لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون: مجتهدًا فيها أو مقلَّدًا. والمقلَّد: إما مقلَّد مع الإِقرار بالدليل الذى زعمه المجتهد دليلًا والأخذ فيه بالنظر، وإما مقلَّد له فيه من غير نظر، كالعامىَّ الصرف. فهذه ثلاثة أقسام.
فالقسم الأول على ضربين:
أحدهما: ... أن يصحَّ كونه مجتهدًا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعَرضَ لا بالذات، وإنما تسمَّى غلطة أو زلَّة، لأن صاحبها لم يقصد اتِّباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب، أى لم يتبع هواه، ولاجعله عمدة، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق، أذعن له وأقرَّ به [10] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[10] ... قال د. أحمد عبد العزيز الحليبى في كتاب الأمة"أصول الحكم على المبتدعة عن شيخ الإسلام ابن تيمية":
الأصل الأول:
الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد، وحمل كلامهم المحتمل على أحسن محمل.
لا ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، يعفى عنه خطؤه، ويثاب، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ