والجواب عن الإشكال الثانى [1] : أن جميع ما ذكر من قبيل المصالح المرسلة [2] ، لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح ومن بعدهم، فهى من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول، وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه.
أما جمع المصحف وقصر الناس عليه، فهو على الحقيقة من هذا الباب، إذ نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، تسهيلًا على العرب المختلفات اللغات، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة.
إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحٌ لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في القراءة، فخاف الصحابة رضوان الله عليهم اختلاف الأمة في ينبوع الملة، فقصروا الناس على ما ثبت منها في مصاحف عثمان رضي الله عنه، واطرحوا ما سوى ذلك، علمًا بأن ما اطَّرحوه مضمَّن فيما أثبتوه، لأنه من قبيل القراءات التي يؤدى بها القرآن [3] .
فحقُّ ما فعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأن له أصلًا يشهد له في الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه.
والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة، لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصحُّ بأى شىء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها.
وأما ما سوى المصحف، فالأمر فيه أسهل، فقد ثبت في السنة كتابة العلم:
(1) ... وهو الجواب عن عمل الصحابة رضي الله عنهم بأمور استحسنوها ولم يأت بها كتاب ولا سنة.
(2) ... المصالح المرسلة: هى المعنى الملائم لتصرفات الشرع الذى لم يأت دليل معين باعتباره ولا بإلغائه، وسيأتى مزيد تفصيل في الباب الثامن.
(3) انظر في مسألة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، انظر مقدمة تفسير الطبري، وشرح ابن حجر لحديث الأحرف (حديث ابن عباس 4991، وحديث عمر 4992: الفتح 8/642) ، والتمهيد لابن عبد البر (8/272، 280) وكذلك كتب علوم القرآن.