ويكفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين: أن صدور [1] هذه الطائفة -المتسمين بالصوفية- لم يتَّخذوا رباطًا ولا زاوية، ولا بنوا بناء يضاهون به الصُّفَّة للاجتماع على التعبُّد والانقطاع عن أسباب الدنيا، كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، والجُنَيد، وإبراهيم الخواص، والحارث المحاسبى، والشِّبلى [2] ...
(1) ... يعني أوائل المتصوفة.
(2) ... إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر القدوة الإمام العارف سيد الزهاد أبو إسحق العجلي وقيل التميمي الخراساني البلخي نزيل الشام مولده في حدود المئة، قال النسائي: هو ثقة مأمون أحد الزهاد،كان من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم والمراكب والجنائب والبزاة، فبينا إبراهيم في الصيد على فرسه يركضه إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم ما هذا العبث! { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا } ، اتق الله، عليك بالزاد ليوم الفاقة، فنزل عن دابته ورفض الدنيا. أبو نعيم: سمعت سفيان يقول: كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولوكان في الصحابة لكان رجلًا فاضلًا، قال بشر الحافي: ما أعرف عالمًا إلا وقد أكل بدينه، إلا وهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسلم الخواص. قال شقيق بن إبراهيم: قلت لإبراهيم بن أدهم: تركت خراسان! قال: ما تهنأت بالعيش إلا في الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول موسوس، يا شقيق ما نبل عندنا من نبل بالجهاد ولا بالحج، بل كان يعقل ما يدخل بطنه. وتوفي سنة اثنتين وستين ومئة. (السير 7/387) .
الجُنَيد: ابن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري والده الخزاز، هو شيخ الصوفية، ولد سنة نيف وعشرين ومئتين، وتفقه على أبي ثور وسمع من السري السقطي وصحبه، وصحب أيضا الحارث المحاسبي، وأتقن العلم ثم أقبل على شأنه وتأله وتعبد ونطق بالحكمة. ورزق الذكاء وصواب الجواب،لم ير في زمانه مثله في عفة وعزوف عن الدنيا، قيل لي: إنه قال مرة كنت أفتي في حلقة أبي ثور الكلبي ولي عشرون سنة. أبو نعيم حدثنا علي بن هارون وآخر قالا: سمعنا الجنيد غير مرة يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. قال عبدالواحد بن علوان: سمعت الجنيد يقول: علمنا يعني التصوف مشبك بحديث رسول الله. فرحمة الله على الجنيد وأين مثل الجنيد في علمه وحاله. (السير 14/66) .
الحارث المحاسبي: الزاهد العارف شيخ الصوفية، أبو عبدالله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، صاحب التصانيف الزهدية، قال الخطيب: له كتب كثيرة في الزهد وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة، قال الجنيد: خلف له أبوه مالًا كثيرًا، فتركه وقال: لا يتوارث أهل ملتين، وكان أبوه واقفيًا. وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه. قال سعيد بن عمرو البرذعي: شهدت أبا زرعة الرازي وسئل عن المحاسبي وكتبه، فقال: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر تجد غنية، هل بلغكم أن مالكًا والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس! ما أسرع الناس إلى البدع!. قال ابن الأعرابي: تفقه الحارث وكتب الحديث، وعرف مذاهب النساك، إلا أنه تكلم في مسألة اللفط، ومسألة الإيمان، وقيل هجره أحمد فاختفى مدة، ومات سنة ثلاث وأربعين ومئتين. (السير 12/110) .
الشِّبلي: شيخ الطائفة، أبو بكر الشبلي البغدادي، قيل اسمه دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس، وقيل جعفر بن دلف، أصله من الشبلية قرية، ومولده بسامراء، حضر الشبلي مجلس بعض الصالحين فتاب، ثم صحب الجنيد وغيره وصار من شأنه ما صار، وكان فقيها عارفا بمذهب مالك وكتب الحديث عن طائفة، وقال الشعر وله ألفاظ وحكم، وحال وتمكن، لكنه كان يحصل له جفاف دماغ وسكر فيقول أشياء يعتذر عنه فيها أو لا تكون قدوة. وسئل، ما علامة العارف؟ قال: صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه مطروح. توفي ببغداد سنة 334هـ عن نيف وثمانين سنة. (السير 15/367) .