الصفحة 151 من 471

وإذا ثبت هذا، فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه، لأنه إنما يرجع إلى تفقّه ينبنى عليه العمل، وتفصيل آفاته وعوارضه، فلا يُقال في مثله بدعة، إلا إذا أطلق على فروع الفقه التى لم يؤلف مثلها في السلف الصالح، أنها بدعة، كفروع أبواب السَّلَم، والإجارات والجراح، ومسائل السهو، والرجوع عن الشهادات، وبيوع الآجال ... وما أشبه ذلك.

وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع المستنبطة التى لم تكن فيما سلف، وإن دقت مسائلها، فكذلك لا يطلق على دقائق فروع الأخلاق الظاهرة والباطنة: أنها بدعة، لأن الجميع يرجع إلى أصول شرعية.

وأما بالمعنى الثانى، فهو على أضرب:

أحدها: يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجدانى، فيُتَكَلَّم فيها بحسب الوقت والحال، وما يُحتاج إليه في النازلة الخاصة، رجوعًا إلى الشيخ المربَّى، وما بين له في تحقيق مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض، فيداويه بما يليق به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية، فقلَّما يطرأ العارض إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التى بنى عليها في بدايته، فقد قالوا: إنما حُرِموا الوصول بتضييعهم الأصول.

فمثل هذا لا بدعة فيه، لرجوعه إلى أصل شرعىًّ: ففى الصحيح من حديث أبى هريرة: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - جاءه ناس من أصحابه رضى الله عنهم، فقالوا يا رسول الله! إنا نجد في أنفسنا الشىء يعظم أن نتكلم به -أو الكلام به- ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به. فقال: (أوقد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان) [1] .

(1) ... أخرجه مسلم (132) ، وعنده (133) من حديث ابن مسعود: سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة قال: تلك محض الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت