فلا يصحُّ أن يعد في البدع بحال.
وقوله:"وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول"فيه تفصيل، فلا يخلو الإحسان المفروض أن يُفهم من الشريعة أنه مقيَّد بقيد تعبُّدى أو لا.
فإن كان مقيَّدًا في أصل التشريع بأمر تعبُّدىً، فلا يُقال: إنه غير بدعة على أى وجه وقع، إلا على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يخرج أصلًا شرعيًا مثل الإحسان المتبع بالمنِّ والأذى والصدقة من المِديان [1] المضروب على يده، وما أشبه ذلك، ويكون إذ ذاك معصية.
والثانى: أن يلتزم على وجه لا يتعدَّى، بحيث يفهم منه الجاهل أنه لا يجوز إلا على ذلك الوجه، فحينئذٍ يكون الالتزام المشار إليه بدعة مذمومة وضلالة، وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله، فلا تكون إذًا مستحبة.
والثالث: أن يجرى على رأى من يرى المعقول المعنى وغيره بدعة مذمومة، كمن كره تنخيل الدقيق في العقيقة [2] ، فلا تكون عنده البدعة مباحة ولا مستحبَّة.
وصلاة التراويح تقدم الكلام عليها.
وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو ممَّا صحَّ بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم.
ولفظ التصُّوف لابدَّ من شرحه أولًا حتى يقع الحكم على أمر مفهوم، لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخَّرين، فلنرجع إلى ما قال فيه المتقدَّمون.
وحاصل ما يرجع إليه لفظ التصُوف عندهم معنيان:
أحدهما: التخلُّق بكل خُلُق سَنِىّ، والتجرُّد عن كل خُلُق دَنِىّ.
والآخر: أنه الفناء عن نفسه والبقاء لربه.
(1) ... من الأضداد، وهو الذى يقرض كثيرًا ويستقرض كثيرًا.
(2) ... لعله يقصد أن العقيقة سنة، والمناخل أمر أُحدث، فلا يستقيم محدث في سنة، ولكن تقدم أن المناخل ليست بدعة بل هي من التنعم.