الصفحة 154 من 471

ومما يتعلًّق به بعض المتكلَِّفين: أن الصوفية هم المشهورون باتَّباع السنة، المقتدون بأفعال اسلف، المثابرون في أفعالهم وأقوالهم على الاقتداء التام والفرار عما يخالف ذلك، ولذلك جعلوا طريقتهم مبنية على: أكل الحلال، واتباع السنة، والإخلاص.

وهذا هو الحق، ولكنهم في كثير من الأمور يستحسنون أشياء، لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عمل بأمثالها السلف، فيعملون بمقتضاها ويثابرون عليها، ويحكمونها طريقًا لهم مَهيعًا [1] وسنة لا تخلف، بل وربما أوجبوها في بعض الأحوال، فلولا أن في ذلك رخصة، لم يصح لهم ما بنوا عليه.

والجواب: أن نقول أولًا: كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن لا يخلو: إما أن يكون ممَّا ثبت له أصل في الشريعة أم لا.

فإن كان له أصل، فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك. وإن لم يكن له أصل في الشريعة، فلا عمل عليه، لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأئمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة عن الخطأ وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لها عصمة، إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا، تضمن اجتماعهم دليلًا شرعيًا كما تقدم التنبيه عليه، فالصوفية كغيرهم ممَّن لم تثبت له العصمة، فيجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية كبيرتها وصغيرتها، فأعمالهم لا تعدو الأمرين.

ولذلك قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ أو متروك، إلا ما كان من كلام النبى - صلى الله عليه وسلم - .

الباب الرابع

فى مأخذ أهل البدع بالاستدلال

كل خارج عن السنة مَّمن يدَّعى الدخول فيها والكون من أهلها لابدَّ له من تكلُّف في الاستدلال بأدلتها على خصومات مسائلهم، وإلا كذَّب أّطراحُها دعواهم.

(1) ... المهيع: الطريق الواسع المنبسط، أو هو الطريق. (انظر اللسان والنهاية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت