إلا أن هؤلاء -كما يتبيَّن بعد- لم يبلغوا مبلغ الناظرين فيها بإطلاق: إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التى من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما للأمرين جميعًا، فبالحرى أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدَّمهم من المحققَّين للأمرين.
وإذا تقَّرر هذا، فلا بد من التنبيه على تلك المآخذ، لكى تُحْذَر وتتقى، وبالله التوفيق، فنقول:
قال الله سبحانه وتعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [1] .
وذلك أن هذه الآية شملت قسمين هما أصل المشى على طريق الصواب أو على طريق الخطأ:
أحدهما: ... الراسخون في العلم، وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة، ولما كان ذلك متعذَّرًا إلا على من حصَّل الأمرين المتقدمين، لم يكن بد من المعرفة بهما معًا على حسب ما تعطين المُنَّة الإنسانية، وإذ ذاك يطلق عليه (أنه راسخ في العلم) ومقتضى الآية مدحه، فهو إذًا أهل للهداية والاستنباط.
والقسم الثانى: من ليس براسخ في العلم، وهو الزائغ، فحصل له من الآية وصفان:
أحدهما: بالنص وهو الزيغ، لقوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } [2] ، والزيغ: هو الميل عن الصراط المستقيم، وهو ذم لهم.
والثانى: بالمعنى الذى أعطاه التقسيم، وهو عدم الرسوخ في العلم.
فصل
إذا ثبت هذا، رجعنا منه إلى معنى آخر، فنقول:
إذا تبين أن للراسخين طريقًا يسلكونها في اتباع الحق، وأن الزائغين على غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التى سلكها هؤلاء لنتجنبها، كما نبَّين الطريق التى سلكها الراسخون لنسلكها، وقد بين ذلك أهل أصول الفقه، وبسطوا القول فيه، ولم يبسطوا القول في طريق الزائغين، فهل يمكن حصر مآخذها أولا؟
(1) ... آل عمران: 7.
(2) ... آل عمران: 7.