الصفحة 156 من 471

فنظرنا في آية أخرى تتعلق بهم كما تتعلق بالراسخين، وهى قوله تعالى: { وأن هذا صراطى مستقيمًا فأتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [1] ، فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة، وأن للباطل طرقًا متعددة لا واحدة، وتعددُّها لم ينحصر بعدد مخصوص.

وهكذا الحديث المفسر للاية، وهو قول ابن مسعود: خطَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا، فقال: (هذا سبيل الله) ثم خط لنا خطوطًا عن يمينه ويساره، وقال (هذه سبل، على كل سبيل منها شيطانً يدعو إليه) [2] .

ففى الحديث أنها خطوط متعدَّدة غير محصورة بعدد، فلم يكن لنا سبيل إلى حصر عددها من جهة النقل، ولا لنا أيضًا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء. أما العقل، فإنه لا يقضى بعدد دون آخر، لانه غير راجع إلى أمر محصور، ألا ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات؟ ووجوه الجهل لا تنحصر، فصار طلب حصرها عناء من غير فائدة.

وأما الاستقراء، فغير نافع أيضًا في هذا المطلب، لأنا لما نظرنا في طرق البدع من حيث نبتت، وجدناها تزداد على الأيام، ولا يأتى زمان إلا وغريبة من غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا، وإذا كان كذلك، فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها فيما تقدم، لا سيما عند كثرة الجهل، وقلة العلم، وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد، فلا يمكن إذًا حصرها من هذا الوجه، ولا يقال إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق، فإن وجوه المخالفات لا تنحصر أيضًا، فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء، لكنا نذكر من ذلك أوجهًا كلية يُقاس عليها ما سواها.

(1) ... الأنعام: 153.

(2) ... صحيح: رواه الدارمي (1/67) وسعيد بن منصور (5/112) والحاكم (2/261) وأحمد (4142) والبزار (1677) والنسائي في الكبرى (11175) ، ورواه من حديث جابر ابن ماجة (11) وابن أبي عاصم (16) وأحمد (3/397) وصححه في السنن، وفيه: مجالد بن سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت