وليس كما توهموا، لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة، لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى يُنَصّ عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام، لا يلزم منه اثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك، حتى يُثبتَ بالتفصيل بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت، بالدليل الصحيح.
وليس فيما ذُكر في السؤال من ذلك، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلى والنهارى في الجملة وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صيام اليوم الفلانى من الشهر الفلانى، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص، ليس في شىء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام.
والدَّليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما يتضمَّن حكمًا شرعيًا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء -مثلًا- أو لعرفة أو لشعبان مزيَّة على مطلق التنفل بالصيام، فإن ثبت له مزيَّة على الصيام في مطلق الأيام، فتلك المزيَّة اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها، بحيث لا تُفهم من مطلق مشروعية صيام النافلة، لأن مطلق المشروعية يقتضى أن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضى أنه يكفر السنة التى قبله [1] ، فهو أمر زائد على مطلق المشروعية، ومساقه يفيد له مزيَّة في الرتبة، وذلك راجع إلى الحكم.
(1) ... رواه مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا (1162) وأصحاب السنن.