ويمكن أن يكون من خفي هذا الباب مذهب الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم، استدلالًا بقوله تعالى: { إن الحكم إلا لله } [1] ، فإنه مبنى على أن اللفظ ورد بصيغة العموم، فلا يلحقهِ تخصيص، فلذلك أعرضوا عن قول الله تعالى { فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها } [2] ، وقوله { يحكم به ذوا عدل منكم } [3] .
وإلا، فلو علموا تحقيقًا قاعدة العرب في أن العموم يُراد به الخصوص، لم يسرعوا إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم: لعل هذا العامَّ مخصوص؟ فيتأولون.
وفى الموضع وجه آخر مذكور في موضع غير هذا.
وكثيرًا ما يوقع الجهل بكلام العرب في مجازٍ لا يرضى بها عاقل، أعاذنا الله من الجهل والعمل به بفضله.
فصل
ومنها: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التى للعقول فيها مواقف، وطلب الأخذ بها تأويلًا:
وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة، حتى يتَّبين معناه ويظهر المراد منه، ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصل قطعى، فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعى، كظهور تشبيه، فليس بدليل، لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرًا في نفسه، ودالًا على غيره، وإلا احتيج إلى دليل عليه، فإن دلَّ الدليل على عدم صحته، فأحرى أن لا يكون دليلًا.
ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملًا، فهى في محل التوقُّف، وإن اقتضت عملًا، فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم ومثاله في ملة الإسلام مذاهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب -المنزه عن النقائض-، من العين، واليد، والرجل، والوجه، والمحسوسات، والجهة ... وغير ذلك من الثابت
للمحدثات [11] .
ومن الأمثلة أيضًا أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق تعلقًا بالمتشابه، والمتشابه الذى تعلقوا به من وجهين: عقلى -فى زعمهم- وسمعى.
(1) ... الأنعام: 57.
(2) ... النساء: 35.
(3) ... المائدة: 95.