والثانى: أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجَّح، ولا شك أنه مذموم هنا، لأنه من التحكُّم، ولذلك اتبع في الآية بهوى النفس في قوله { إن يتبعون إلا الظن ما تهوى الأنفس } [1] ، ولذلك أثبت ذمه، بخلاف الظن الذى أثاره دليل، فإنه غير مذموم في الجملة، لأنه خارج عن اتباع الهوى، ولذلك أثبت وعُمِل بمقتضاه حيث يليق العمل بمثله، كالفروع.
والثالث: أن الظن على ضربين:
ظن يستند إلى أصل قطعى، وهذه هى الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت، لأنها استندت إلى أصل معلوم، فهى من قبيل المعلوم جنسه.
وظن لا يستند إلى قطعى، بل إما مستند إلى غير شىء أصلًا، وهو مذموم -كما تقدم-، وإما مستند إلى ظن مثله، فذلك الظن إن استند أيضًا إلى قطعى، فكالأول، أو إلى ظنى، رجعنا إليه، فلابد أن يستند إلى قطعى، وهو محمود، أو إلى غير شىء، وهو مذموم.
فصلُ
ومنها: تخرُّصُهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العروّ عن علم العربية الذى يُفهم به عن الله ورسوله:
فيفتاتون [2] على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين في العلم، وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك:
فكما حكى عن بعضهم في قوله سبحانه { ولقد ذرأنا لجهنم } [3] ، أى"القينا فيها"كأنه عندهم من قول العرب: ذرته الريح، وذلك لا يجوز، لأن ذرأنا مهموز، وذرته غير مهموز، وكذلك إذا كان من: أذرته الدابة عن ظهرها، لعدم الهمزة، ولكنه رباعى، وذرأنا ثلاثى.
(1) ... النجم: 23.
(2) ... فيفتاتون: أى يختلقون الباطل، وأصلها مهموز وقد يخفف.
(3) ... الأعراف: 179.