... وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقوله نقل العدول.
وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضى الله تعالى عنهم ومن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم؛ كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب.
وربما ردُّوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة، لينفروا الأمة عن أتباع السنة وأهلها، وذهبت طائفة إلى نفى أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن.
ففى هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدرى، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) [1] ، وهذا وعيد شديد تضمنه النهى لاحق بمن ارتكب ردَّ السنة.
وربما احتج طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد الظن، وقد ذُم الظن في القرآن، كقوله تعالى { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يُغْنِى من الحَقَّ شيئًا } [2] ... وما جاء في معناه، حتى أحلوا أشياء مما حرمها الله تعالى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وليس تحريمها في القرآن نصًا، وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا.
والظن المراد في الآية وفى الحديث [3] أيضًا غير ما زعموا، وقد وجدنا له محال ثلاثة:
أحدها: الظنُّ في أصول الدين، فإنه لا يغنى عند العلماء، لاحتماله النقيض عند الظان، بخلاف الظن في الفروع، فإنه معمول به عند أهل الشريعة، للدليل الدال على عمله، فكان الظن مذمومًا إلا ما تعلَّق بالفروع منه، وهذا صحيح ذكره العلماء في هذا الموضع.
(1) ... صحيح: وتقدم ص87، ص114.
(2) ... النجم: 23.
(3) ... كحديث ابى هريرة في صحيح البخارى مرفوعًا (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) البخارى (10/484 فتح) ومسلم 2563.