وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره، وذلك أنى -ولله الحمد- لم أزل منذ فُتق للفهم عقلى ووجه شطرَ العلم طلبى، أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت عن أنواعه نوعًا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان.
إلى أن مَنَّ علىَّ الربُّ الكريم الرؤوف الرحيم، فشرح لى من معانى الشريعة ما لم يكن في حسابى، وألقى في نفسى القاصرة أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتد به فيه، وأن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران.
وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها فلما أردت الاستقامة على الطريق، وجدت نفسى غريبًا في جمهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد.
فتردد النظر بين:
-... أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس، فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفى العوائد، لاسيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل.
-... وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذًا بالله من ذلك، إلا أنى أوافق المعتاد، وأعدُ من المؤالفين، لا من المخالفين.
فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة، هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عنى من الله شيئًا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علىّ القيامة، وتواترت على الملامة، وفوَّق إلىّ العتاب سهامه.