الصفحة 222 من 471

والثالث: أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمرًا منضبطًا، بل هو إضافي مختلف بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم، أو في قوة عزائمهم، أو في قوة يقينهم، أو نحو ذلك من أوصاف أجسامهم أو أنفاسهم، فقد يختلف العمل الواحد بالنسبة إلى رجلين، لأن أحدهما أقوى جسمًا، أو أقوى عزيمة أو يقينًا بالموعد، والمشقة قد تضعف بالنسبة إلى قوة هذه الأمور وأشباهها، وتقوى مع ضعفها.

فنحن نقول: كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إلى زيد فهو منهي عنه، ولا يشق على عمرو فلا ينهى عنه.

فنحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقًا عليهم، وإن كان ما هو أقل منه شاقًا علينا، فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجةً لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه، إلا بشرط أن يمتد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله.

وليس كلامنا في هذا لمشاهدة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى والأحرى بالجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة، دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم، إلا على القليل النادر منهم.

والشاهد لصحة هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" [1] يريد - صلى الله عليه وسلم -: أنه لا يشق عليه الوصال، ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق [2] .

(1) تقدم أول الباب.

(2) لكن لا ينفي هذا أنه يطعمه ربه ويسقيه حال صيامه، لأنه هكذا قال وقوله الصدق، ولا يخدش ذلك في صومه أبدًا، لأن هذا طعام لا كسائر الطعام، فهو طعام خاص من الله تعالى لنبيه وصفيه - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يأخذ أحكام طعام الدنيا. وبنحو ذلك نقل الحافظ في الفتح (4/244) عن بعض العلماء، ونقل عن الجمهور أن ذلك ليس على الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت