الصفحة 225 من 471

فكما أنه متعبد بالرفق بغيره، كذلك هو مكلف بالرفق بنفسه، ودل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن لنفسك عليك حقًا) إلى آخر الحديث.

ويدل عليه أنه لا يحل للإنسان أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه، ولا قطع طرف من أطرافه، ولا إيلامه بشيء من الآلام، ومن فعل ذلك أثِم واستحق العقاب، وهو ظاهر.

وإن قلنا: إنه من حق العبد، وراجع إلى خيرته، فليس ذلك على الإطلاق، إذ قد تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله.

وأما الثاني: فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة، وأحكامها تختلف حسبما تعطيه أصول الأدلة.

ومن المعلوم أنه إذا تعارض على المكلف حقان، ولم يمكن الجمع بينهما، فلا بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل، فلو تعارض على المكلف واجب ومندوب لقدَّم الواجب على المندوب، وصار المندوب في ذلك الوقت غير مندوب، بل صار واجب الترك عقلًا أو شرعًا، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، وإذا صار واجب الترك، فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبِّدًا لله به؟!.

ويدخل فيه ما في حديث سلمان مع أبي الدرداء رضي الله عنهما [1] ، إذ كان التزام قيام الليل مانعًا له من أداء حقوق الزوجة، من الاستمتاع الواجب عليه في الجملة، وكذلك التزام صيام النهار.

ومثله لو كان التزام صلاة الضحى أو غيرها من النوافل مخلًا بقيامه على مريضه، المشرف، أو القيام على إعانة أهله بالقوت، أو ما أشبه ذلك.

فالحاصل أن كل من ألزم نفسه شيئًا يشق عليه، فلم يأت طريق البر على حدِّه.

فصل

( إذا ثبت ما تقدم وَرَدَ الإشكالُ الثاني:

وهو أن التزام النوافل التي يشق التزامها مخالفة للدليل، وإذا خالفت، فالمتعبد بها -على ذلك التقدير- متعبد بما لم يشرع وهو عين البدعة، فإما أن تنتظمها أدلة ذم البدعة أو لا:

(1) تقدم تخريجه في الباب في الحاشية، وأنه رواه البخاري وغيره، وقصة أبي الدرداء أشبه بقصة عبد الله بن عمرو، وقد وجِّها توجيهًا مماثلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت